#adsense

بين العاشق والمعشوق قصة هيام قاتلة

حجم الخط

بين العاشق والمعشوق قصة هيام قاتلة

في كل قصص الغرام هناك عاشق ومعشوق. أي طرف يحب أكثر من الثاني. والذي يعشق أكثر هو طبعاً الطرف الأضعف. فعنصر القوة والتفوق يدخلان ضمن كل علاقة حب. وقاعدة القوة هذه لا تقتصر على العلاقات الغرامية, بل قد تسير كل طرق التعامل بين الناس في كل الميادين الحياتية, وعلى كل المستويات, بدءاً بالفردي وصولاً للجماعي, وبالتالي قد تكون من الطبيعي من أهم مرتكزات العمل السياسي.

يحضرنا موضوع الحب والهيام هذا, أمام ما نراه حاصلاً اليوم في سورية, وما نشهده من دفق لمشاعر الحب والغرام بين أعداء الأمس, إلى حد توصيف هذا الحدث "بالعجيبة" على الطريقة المسيحية. فالحفاوة الزائدة, والهيام المفرط وغير المبرر الذي استقبل بهما العماد ميشال عون في سورية, يذكرنا بما يسمى بالفرنسية ""ضربة الصاعقة الغرامية" le coup de foudre إلا أن الطائرة الخاصة, والسجاد الأحمر, و"الهيصة" والزغاريد والفرحة العامة والعارمة والمعممة كما العادة, قد لا يفيان بما قدمه العماد عون من خدمات وتنازلات لسورية على مدى الخمسة عشر عاماً الماضية, وكلها على حساب وحدة الشعب وبقاء الوطن.

وزيادة الحفاوة والاستقبال الجماهيري المبرمج لا تعني كلها بالضرورة ان عون هو المعشوق من السوريين, وسورية هي في حالة عشق هيستيرية تجاهه, لأنه قد يكون العكس هو الصحيح. فعون هو الطرف الأضعف في معادلة الغرام, وهو بحاجة إلى حب ورضى ودعم الطرف السوري, كما العادة وليس العكس. أما السؤال فهو هل يقوى عون على تحمل كل هذا الدفق من الحب? وأن يكون بمستوى هذه العاطفة الجياشة, ويرد الجميل, فيبادل الغرام بغرام مماثل والعشق بعشق أهم وأقوى? بمعنى آخر هل بإمكانه وضمن الطاقات المتوفرة بين يديه, وأن يمون على قاعدته الحزبية, إلى حد جرها إلى الالتزام اللامتناهي وغير المشروط تجاه سورية. ولكنها وبغض النظر عن طريقة تصرف عون المستقبلية تبقى سورية هي الطرف الأقوى في المعادلة, ومن الطبيعي أن تمسك مستقبلاً بسير هذه العلاقة, وتتحكم بمصيرها وتطبيقها لبنانيا كما هي تريد وتطمح. أما التساؤل الأهم فهو حول مصير العماد عون في حال تأخر أو قصر عن رد الجميل أو عن تقديم البدائل المطلوبة لكل مبادرات الحب والهيام هذه.

وفي كلامنا هذا لا نلمح إلى إلغاء جسدي, بقدر ما نلمح للإلغاء السياسي. وهو واقع سوف تنجلي خيوطه وتتضح معالمه مع الوقت. وليس خافياً على أحد بأن المساعي الدافعة بعون باتجاه الأحضان السورية إنما يراد منها كسب الدعم السوري لحملة عون الانتخابية, توسلاً لضغط منها على حلفائها اللبنانيين وغير حلفائها أيضاً, لترك مكان شاغر في لوائحهم لمرشحي التيار العوني. ولكن هل سيأتي حساب الحقل على حساب البيدر ويتمكن الدعم السوري من إيصال عون إلى حيث تريد الأطراف الداعمة له ولا سيما حزب الله? وأن تعلن سورية هذا ظاهريا أي أنها تدعم العماد عون "الزعيم الوطني" و"الداعم للمقاومة", لا يعني أن هذا الكلام سوف يترجم فعلياً على أرض الواقع. بل الواقع هو أن هذا العشق اللامتناهي الذي تبديه سورية اليوم سوف يكون قاتلاً لعون ولكن بشكل بطيء. لأنه إذا وضعنا في كفتي الميزان ما هو منتظر من السوريين من دعم انتخابي لعون, وما هو عون بصدد خسارته على مستوى قاعدته المسيحية بسبب تفرده بإقامة علاقة إلى هذا الحد منفتحة على سورية, من دون الأخذ بالاعتبار من ناحية مشاعر اللبنانيين, ومن ناحية أخرى كل الملفات التي ما زالت عالقة مع سورية, قد يخرج عون الخاسر الأكبر, وشكله كأنه التقط الهواء في سورية وزلت قدمه على الساحة الداخلية. فسورية وجريا على ما هو معهود منها تجاه المواقف المفروضة عليها, بإمكانها أن تعطي من طرف اللسان حلاوة, وتضمر في الوقت ذاته مواقف أخرى. وهي لو أرادت فعلاً تبيان حسن نواياها الفعلية تجاه عون لكانت أعطت بعض الإشارات, ومنها على سبيل المثال مكسب فعلي لعون يبيض له صفحته أمام اللبنانيين, كحل مسألة المفقودين والموقوفين في السجون السورية, وهو ملف إنساني وبالإمكان بته خارج العلاقة بين الدولتين.

إذاً ماذا تخسر سورية في المرحلة القائمة من تقديم الورود لعون وللطرف الإيراني من ورائه, فهي سوف تبقى على برنامج محادثاتها مع إسرائيل, وعلى مساعيها باتجاه الانفتاح على المجتمع الدولي? في الحقيقة أن النظام السوري أخذ بعين الاعتبار كل حسابات الربح والخسارة من جراء هذه الزيارة. وحتى لا يموت القطيع ولا يفنى الغنم, اعتمدت سورية نهج الرقص على كل الحبال. فمن ناحية تقيم استقبالاً حاشداً لعون تكلله بالحفاوة والطبل والزمر إرضاءً لإيران, ومن ناحية أخرى لا تغيظ المجتمع الدولي المستاء من هذه الزيارة كون "الخازوق" المهم التي هي بصدد "تنجيره" لعون, عبر تجريده مما تبقى له من قاعدة انتخابية مسيحية واعية, سوف يأخذ شكله النهائي قبيل الانتخابات النيابية المقبلة.
وإذا صح المثل القائل إن "بعض الحب ما قتل" قد يعود عون من سورية مشبعاً بشبق متجدد ببشار الأسد, ومفعماً بإعجاب لا محدود بالنظام الديكتاتوري السوري, ولكن صفر اليدين وكالعاشق الولهان المبتلي بحب قاتل من طرف واحد, ليس له حياله لا حول ولا قوة.

المصدر:
السياسة الكويتية

خبر عاجل