#adsense

تحكيم مسيحي على حد السيف

حجم الخط

تحكيم مسيحي على "حد السيف"

تعيد "الزيارة – العاصفة" التي قام بها العماد ميشال عون لسوريا بكل شكليات الاستثنائية والمضمون السياسي الذي اطلقته في اتجاه الداخل اللبناني خصوصا، الاعتبار "التحكيمي" الى الناخب المسيحي في المقام الاول على نحو لا سابق له حتى في انتخابات 2005 نفسها. في تلك الدورة الانتخابية كان الناخب المسيحي في موقع رد الفعل المزدوجة حيال احتقان مزمن راكمته حقبة الوصاية السورية وانفجار الغضب العارم الذي تسبب به اغتيال الرئيس رفيق الحريري، فأفاد العماد عون من هذه التفاعلات الكيميائية المتفجرة عبر ردة فعل مسيحية اضافية هادرة على "التفاهم الرباعي". في الدورة المقبلة لانتخابات 2009، ومع دوائر مسيحية صرفة لا يتجاوز عددها عدد اصابع اليد الواحدة، سيكون الناخب المسيحي تحديدا في موقع المقرر والحكم كما لم يفعل من قبل.

رفعت زيارة العماد عون لسوريا تحدي الخيارات المسيحية الى ذروته، على نحو اشبه ما يكون باستفتاء تأسيسي بكل المعايير. فمع ان مقدمات الزيارات والتحولات الضخمة التي خطها عون ما بين 7 ايار 2005 تاريخ عودته الى لبنان من فرنسا و3 كانون الاول 2008 تاريخ زيارته لسوريا، اسقطت كل عوامل المفاجآت في هذه الزيارة وجعلتها تبدو تتويجاً عملانياً لهذه التحولات، فانها شكلت في حصيلتها جرعة مفرطة في الزيادة والتضخيم للخيارات والانفاعالات التي احدثتها في الداخل اللبناني عموما والوسط المسيحي خصوصا سواء عبر المواقف التي اطلقها عون من مختلف محطاته السورية او عبر حرص دمشق على غلو غير مسبوق لدى نظامها الشديد التحفظ تقليدياً عن الشكليات في اغراق هذه الزيارة بشكليات مضخمة صارخة في اللامعهود واللامعتاد واللاكلاسيكي.

وضعت الزيارة الناخب المسيحي على حد السيف بين خيار "التطبيع الشعبي" الفوري والتطبيع الواقعي السياسي مع دمشق دونما برمجة طويلة مضنية ومعقدة للتطبيع الديبلوماسي والرسمي وكذلك الشعبي، ربطا بملف الدولتين. وخيار التبادل على ايقاع المقايضة خطوة بخطوة وجرعة بجرعة وانفتاح بانفتاح. وذهبت أبعد بكثير من ذلك مع توغل عون، من جامعة دمشق بالذات، الى مسألة النظام اللبناني طارحا الذروة التي اوكل لنفسه الاعلان عنها، بادراج الانتخابات المقبلة تحت سقف تعديل اتفاق الطائف.

مثل هذا البوح من العاصمة السورية تحديدا، كان واقعا هو العامل المفاجىء غير المحسوب في ملابسات هذا الحدث الدراماتيكي بمعنى المضاعفات التي سيتركها على الخيارات المقبلة للناخبين. لن يقبل الناخب المسيحي بعد هذا على التحكيم على اختيار غالبية واقلية جديدتين فحسب بل سيقبل اساسا على الاختيار بين مجرى نظام معلوم ومسار نظام بديل مجهول. ربط عون ربطا محكما بين الانتخابات ونيات واضحة لا لبس فيها في تغيير الطائف، فبات على الناخب المسيحي تحديدا ان يصنع نظامه بنفسه للمرة الاولى بشكل مباشر ولن تكون عملية الاقتراع هذه المرة مجرد تحكيم بين تثبيت غالبية واقلية راهنتين او تغييرهما، بل سيترتب عليه ان يحسم مصير النظام السياسي ومعه مسألة التطبيع مع سوريا.

في هذا السياق تحديدا افادت زيارة عون الى حدود غير متوقعة في اسباغ الطابع المصيري على الانتخابات المقبلة، وشكلت في جانب آخر افادة قصوى لخصومه بالذات في فريق قوى 14 آذار. هذا الاستنفار الذي تثيره الزيارة لتحكيم الخيارات الكبرى على قاعدة التمسك بالطائف او تعديله يشكل عامل تحفيز وتنشيط وتعبئة سينجم عنه تحميل الناخب المسيحي ما لم يسبق ان حمله سابقا. كل مضاعفات ازمة النظام ومعها الصفحات والتجارب المثقلة بالازمات اللبنانية – السورية وصولا الى ما ارادت زيارة عون ان تخطه في هذين السياقين، تجمعت لتشكل المعيار الاول الحاسم الذي يتعين على الناخب المسيحي ان يختار على اساسه وعبثا كل ضجيج كلامي او معارك سياسية صاخبة اخرى من الان حتى موعد الانتخابات. فلا "الدولة" اللبنانية قادرة على حسم هذه العقدة مع "جنة" حكومة وحدة وطنية يكاد عنوانها يصبح مهزلة موصوفة ولا سوريا مستعجلة بعدما امتلكت "نصف ورقة" التطبيع السياسي والشعبي عبر حلفائها على الافراج المجاني عن الملفات العائدة لحقوق الدولة اللبنانية واللبنانيين كشرط اساسي لازم وملزم لاستكمال عملية التطبيع الرسمي المرعي بقرارات الامم المتحدة والمجتمع الدولي.

وبمقدار ما كان عون واضحا وصريحا وهجوميا في كشف نياته السياسية من المنابر السورية حيال خصومه من دون اي مهادنة في مقابل "انفتاحه" غير المشروط على سوريا وتسامحه المذهل حيال حقبات الحروب والعداء معها وما لا يزال عالقا من الكثير من ملفات هذه الحقبات حتى الآن، فان ذلك يرتب على قوى 14 آذار ولا سيما منها المسيحية ثقلا اضافيا في اختبار الخطاب المتماسك والتنظيم المتماسك ورفع مستوى المنازلة الانتخابية الى ذروة مقابلة لا امكان فيها لرحمة او تهاون ولو مستفيدة على المستوى المبدئي والنظري والعملي من التداعيات المحتملة للزيارة على عون في الشارع المسيحي المسكون بشتى انواع الانفعالات المتناقضة حيال هذا الاختبار العنيف له.

اما عون نفسه فهو ايضا ذاهب بلا هوادة الى وضع طرفي معادلته وتحولاته الاستثنائية في سرعة مذهلة وانقلابية بين اقصى مواقع التحولات بين يدي الناخب المسيحي الذي سيكون وحده من يمحضه تفويض المضي في هذا المسار او المسدد له ضربة الثمن السلبي القاطع. واغلب الظن ان الزيارة وضعت الناخب امام هذه المهمة كما لم فعل اي تطور آخر. وهنا سر توقيتها واهميته بما اريد لها قصداً ام لم يرد عفواً.

المصدر:
النهار

خبر عاجل