المعلم "يقصف" حدود المزارع ويمدّد لسفير منتظر!
ظهر وزير الخارجية السوري وليد المعلم بالأمس القريب، كعادته، محاضراً موجهاً مصوباً تفكير غالبية الشعب اللبناني، فهو الذي لا ينطق الا بالحكم، وهو الاستراتيجي الخبير في خفايا المنطقة وبالأخص لبنان، كون الـ10452 كلم مربع تختصر في نظر الأشقاء "أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة"، وهو البريء الذي لا حول له ولا قوة، ذنبه الوحيد انه يستطيع قراءة الأحداث وترجمتها او بالأحرى تفسيرها للّبناني "المسكين" الذي لم يتسن له ان ينشأ في بيئة "البعث" وان يترعرع على أيدي المخابرات العليمة بالتكتيكات السياسية قبل العسكرية.
والغريب في المشهد، ان من تولّى تقديمه للبنانيين، محطة الـ"أو.تي.في"، التابعة لـ"التيار الوطني الحر"، المدرك حديثاً لأهمية ان تكون مؤيداً لا بل تابعاً لنظام "البعث" عبر انهاء "زمن الخصومة" المعمّد بدماء شعب آمن ان الحرية والسيادة تستحق العناء. ولكن المحطة المذكورة والتيار الذي تلتزم مبادئه قررت ان تبدأ رحلة "تغيير المسار" عبر تقديم الوزير المعلم الى الشعب اللبناني عشية زيارة "الزعيم" الأوحد الى عاصمة الممانعة.
في مقابلته الشهيرة، يقول المعلم ان مزارع شبعا ذات هوية لبنانية وهي ليست قضية بين لبنان وسوريا بل هي قضية احتلال، مشيرا الى ان المندوب السوري في الامم المتحدة قدم وثيقة ملكية زراعية تثبت لبنانية المزارع، ولكن لم يتنبه المعلم ولا من كان فرحاً باطلالته "البرتقالية" الى ان ما قدمته سوريا للأمم المتحدة ليس سوى خريطة للمزارع، والأسوأ ان هذه الخريطة تعترف بأن "جزءاً" من المزارع تابع للأراضي اللبنانية، وللتوضيح ان ما تطالب به الجهات الحريصة على لبنان وسيادته أبعد من خريطة "الوزير" التي لا تقدم ولا تؤخر، فبنظر الامم المتحدة ان لا حل قانونياً لهذه المعضلة الا بوضع اتفاق بين الجانبين اللبناني والسوري حول ملكية هذه المزارع وارساله الى الامم المتحدة بعد توقيعه من البلدين وهذا بالتحديد ما كان قد حسمه موفد الامين العام للامم المتحدة السابق تيري رود لارسن، أما اذا كان المعلم يتحدث عن إقرار سلفه فاروق الشرع بلبنانية المزارع، عندما كلف نفسه عناء الاتصال هاتفياً بالامين العام السابق للأمم المتحدة كوفي انان والاعتراف له بأن المزارع لبنانية، فهذا وللأسف ليس سوى استغباء لعقول اللبنانيين.
ويرفض الوزير السوري في المقابلة نفسها ترسيم الحدود في المزارع حالياً، معتبرا ان الذين يطالبون بذلك يدافعون عن استمرار الاحتلال الاسرائيلي، وهنا مارس المعلم هواية التنظير التي تعوّد عليها، واضعاً كل من يطالب باسترداد ارضه في خانة "عميل"، ومن يسكت عن احتلال الجولان هو الحريص على السيادة ولا غبار على وطنيته، وهنا لا بد من التساؤل حول من أعطى المعلم حق رفض ترسيم الحدود في مزارع شبعا؟ ومن هو ليصنف اللبنانيين بين عملاء ام لا؟ وهل العميل هو من يطالب باسترجاع أرضه ام هو الذي يسكت عن الاحتلال الى حد نكاد نعتقد انه تبنى هذا الاحتلال؟ والأهم هل هذا النظام الذي يمثله المعلم يسعى الى ربط مصير المزارع بنتائج مفاوضاته مع المحتل الاسرائيلي؟ وما الذي سيمنعه من مقايضتها على حساب الجولان؟.
اما العلاقات الديبلوماسية بحسب وزير الخارجية السوري فهي قبل نهاية العام الحالي، وهذا مطمئن، ولكن ان يقول المعلم ان تعيين السفير يأتي تدريجياً، فهذا ما لا يستطيع عاقل ان يفهمه، الا اذا كان الجانب السوري يؤمن وهذا مرجح بأن السفارة لن تكون أكثر من شكلية، لأن نظام البعث يعلم جيداً ما يريده من لبنان وما فتح السفارة بالنسبة اليه الا لإيهام المجتمع الدولي بأنه حريص على تنفيذ التزاماته، أما بدعة "تدريجياً" فهي لا يمكن ان توضع الا في سياق المماطلة التي يحبذها النظام عل وعسى تأتي رياح الانتخابات كما يشتهيها المتربع على قصر المهاجرين، فإذا فاز حلفاء سوريا في لبنان بالأكثرية النيابية، عندها تنتفي الحاجة الى سفارة لأننا سنصبح ريفاً جديداً ينضم الى الجمهورية السورية.
في هذا الاطار، يعتبر النائب مصطفى علوش ان تفكير الوزير المعلم يعبّر عن إعوجاج في منطق النظام السوري، فكيف يمكن تصوير إقرار يساعد في تحرير ارض عربية بأنه سيؤدي خدمة الى العدو الاسرائيلي، إلا اذا كان يريد ربط تحرير المزارع بتحرير الجولان والقيادة السورية تقول هذا الأمر دائماً؟.
والتصرف السوري هذا، بحسب علوش، هو محاولة منه لاستمرار مسألة الاشتباك وبالتالي تبرير استمرار "حزب الله" في حمل قضية مزارع شبعا، والحزب هو جزء لا يتجزأ في الاستراتيجية التي يعتمدها النظام السوري في التفاوض مع الجانب الاسرائيلي.
اما عن عن تعيين السفير السوري في لبنان "تدريجياً"، فيستغرب علوش هذا المنطق ويقول "اما ان يكون هناك سفير او لا يكون"، وما التصريح الذي أدلى به المعلم سوى جزء من المماطلة التي يمارسها النظام السوري منذ ايام حافظ الأسد الى الآن فهو لم يَعِد بشيء ونفذه، مستبعداً تعيين سفير لسوريا في لبنان طالما هو قادر على المماطلة التي يتقنها تماماً. وبنظره فإن العلاقات الديبلوماسية وتدرجها لا يكون بالزيارات "الخوشبوشية".
اما النائب انطوان اندراوس، فيعتبر ان الاستقبالات التي تتم في سوريا ألغت السفارة، فأي رجل سياسي يزور النظام السوري ويتشاور معه في كل المواضيع المتعلقة بلبنان ومن ضمنها الانتخابات النيابية، بالتالي هم (اي النظام السوري) نفّسوا أهمية السفارة بهذه الاستقبالات.
وبحسب اندراوس، فإن النظام السوري يبعث برسالة مفادها: انشاء سفارة لنا في لبنان لن يمنعنا من الاستمرار في السياسة التي دأبنا عليها في التعاطي مع لبنان، وبالتالي مواصلتهم التعدي على سيادة الدولة اللبنانية.
وعن مزارع شبعا، يستغرب اندراوس حديث المعلم ورفضه ترسيم الحدود فيها ويقول :"المخبأ عند النظام السوري ان شبعا هي الوسيلة الوحيدة وورقة مهمة في التفاوص مع اسرائيل، كما انها تضمن استمرار التوتر الامني ويبقى سلاح "حزب الله" بيده، ترسيم الحدود ايذاناً بعودتها الى الدولة اللبنانية وهذا ما لا يريده النظام السوري".