لأنها تريد ان تبقى المرجعية لتحكم في الخلافات بين اللبنانيين
سوريا تواصل سياسة الازدواجية واللعب على التناقضات
لا شيء يدل حتى الآن على ان سوريا غيرت سلوكها حيال لبنان او اعتادت ان تتعامل معه كدولة سيدة حرة مستقلة، فهي لا زالت تلعب على التناقضات السياسية وعلى الخلافات المذهبية تطبيقا لمبدأ: "فرق تسد"… وهي تتعاطى مع الدولة ومع خصومها على قدم المساواة، منتهجة سياسة "الازدواجية" التي تتقنها تحقيقا لمصالحها بحيث تجعل التنافس يقوم بين الاطراف على كسب تأييدها وصداقتها وعلى تخويفها طرف بالطرف الآخر لتحكم بينهما بما يخدم اهدافها ومراميها.
والدليل على ذلك ان سوريا عندما دخلت لبنان بقواتها العسكرية عام 1976 انما دخلته تحت لافتة الترحيب المسيحي بها والرفض المسلم الذي بلغ حد الصدام المسلح في اكثر من منطقة. ثم تطورت الامور، فأصبحت الغالبية المسلمة مع بقاء القوات السورية في لبنان والغالبية المسيحية مع انسحابها تطبيقا لاتفاق الطائف، فكانت نتيجة ذلك ان همّشت سوريا، طيلة مدة وصايتها على لبنان، الدور المسيحي في كل المجالات بحيث ان انتخابات عام 1992 جرت في موعدها رغم مقاطعة 85 في المئة من الناخبين ولا سيما منهم المسيحيين تلك الانتخابات، وعندما ذهب مسؤولون لبنانيون الى سوريا ليطلبوا تأجيل الانتخابات بضعة اشهر بسبب حجم المقاطعة هذه، كان جواب مسؤولين سوريين: "فلتجر الانتخابات بمن حضر وبدون اصوات المسيحيين اذا استمروا في المقاطعة"…
ولم تكتف سوريا في تهميش دور المسيحيين في السلطة التشريعية بل في السلطة التنفيذية ايضا، فكانت تعيّن وزراء لا يمثل بعضهم المسيحيين بل انفسهم وولاءهم لسوريا… واستبعد القادة الكبار منهم قتلاً او نفياً او سجناً، وبلغت النقمة على موقف المسيحيين السيادي حد تهميش دور البطريرك الكاردينال صفير، وتحريض بعض السياسيين الموالين لها على مهاجمته والتهجم عليه. وعندما قام "لقاء قرنة شهوان" منع اي مسلم من الانضمام اليه ما لم يحذف من البيانات التي تصدر عنه عبارة: "المطالبة بانسحاب القوات السورية الى منطقة البقاع تمهيدا لانسحابها الكامل من لبنان" لأن اي مطالبة كهذه تبقى بدون جدوى اذا ظلت تصدر عن المسيحيين فقط من دون المسلمين. لذلك كان رد الفعل قوياً وقاسياً عندما طالب النائب وليد جنبلاط في مجلس النواب باعادة تموضع القوات السورية، فتصدى له النائب عاصم قانصوه موجها اليه التحذير والتهديد.
ولكي يبقى الدور المسيحي مهمشاً انتقاماً من اصرار قادتهم على المطالبة بانسحاب القوات السورية من لبنان استعادة للسيادة الوطنية الكاملة، حرضت سوريا القادة المسلمين في لقاءات الطائف على المطالبة بتقليص صلاحيات رئاسة الجمهورية، وهو المنصب الماروني الاعلى في الدولة، وربطت في اكثر من مادة في الدستور الجديد اتخاذ القرارات لتنفيذ عدد من مواده بالاتفاق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لتبقى سوريا هي التي تفصل في الخلاف بينهما عند حصوله لمصلحة هذا الطرف او ذاك ووفق ما تشاء.
وعندما فرضت الظروف السياسية والامنية والاقتصادية تكليف الرئيس رفيق الحريري تشكيل الحكومة، ورفضت القيادة السورية ذلك من قبل لأنها رأت مصلحة لها في اللعب على التناقضات بين الرئيس الياس الهراوي والرئيس الحريري لتبقى هي المرجعية التي تفصل في الخلافات بينهما، وكانت هذه القيادة تفرض عند تشكيل الحكومة وزراء لها تعتبرهم من الثوابت لتجعلهم يلعبون دور المشاكس والمشاغب في وجه الرئيس الحريري في مجلس الوزراء، كي يظل في حاجة اليها من اجل ترويض هؤلاء الوزراء…
ولم تكتف القيادة السورية بخلق تنافس يتحول احيانا الى صراع وخلاف حاد بين رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، بل ضمت الى هاتين الرئاستين رئاسة المجلس لتكوِّن منهم "حكم الترويكا"، ولتجعله محكوماً منها بالجملة بدل ان يكون محكوما منها بالمفرق. ولم تسهل للرئيس الحريري الحصول على سلطات لاصدار مراسيم اشتراعية ليظل خاضعا لسلطة مجلس النواب وللأكثرية السورية فيه…
وعندما نجحت "ثورة الارز" في اخراج القوات السورية من لبنان واستعادة السيادة الوطنية الكاملة والاستقلال التام الناجز، ردت القيادة السورية على ذلك بالابقاء على الرئيس اميل لحود في السلطة والتصدي لمحاولات اطاحته وجعل الصراع يشتد بين بقية هذه السلطة والسلطة الجديدة المنبثقة من "ثورة الارز"، وقد ادى هذا الصراع الذي دام اكثر من سنتين الى شل عمل المؤسسات، فلا الحكومة اعتبرت شرعية بعد انسحاب الوزراء الشيعة منها ولا امكن تشكيل حكومة جديدة بسبب اصرار حلفاء سوريا على ان يكون لهم فيها "الثلث المعطل"، واغلقت ابواب مجلس النواب بحجة ان المشاريع التي تحال اليه من حكومة غير شرعية يرفض قلم المجلس تسلمها…
وتحاول القيادة السورية اليوم، وهي نفسها لم تتغير ولم تغير سلوكها حيال لبنان الرسمي والسياسي والشعبي، العودة الى ممارسة الازدواجية في سياستها فهي من جهة تتعاطى مع عهد الرئيس سليمان ومع حكومته، وتتعاطى في الوقت نفسه بالمستوى نفسه وبالقدر نفسه من جهة اخرى مع زعماء واحزاب وشخصيات حتى وان كان بينهما اخصام معلنون او غير معلنين لهذا العهد. وما الاستقبال الرسمي والشعبي المميز الذي اعدته للعماد ميشال عون، وقد فاق استقبال الرئيس سليمان نفسه واي مسؤول في الدولة اللبنانية، سوى الدليل على ان هذه القيادة تريد كعادتها ان تلعب على التناقضات السياسية والمذهبية بين الزعماء في لبنان وبين بعض هؤلاء الزعماء والعهد الذي تدعي انها تكنّ له كل تقدير واحترام وتمحضه كل الثقة…
وما كلام العماد عون في سوريا على تعديل اتفاق الطائف لاستعادة صلاحيات رئيس الجمهورية اللبنانية ولو لدوافع انتخابية، خلافا لموقف القيادة السورية نفسها ولموقف قيادة "حزب الله" وقيادة "حركة امل"، الا اذا كان ما يعلن هو غير ما يضمر، سوى توجيه رسالة الى الزعماء المسلمين المناهضين للنظام السوري، ولا سيما السنّة، مفادها ان سوريا التي اخذت من المسيحيين في لقاءات الطائف لتعطي المسلمين، سوف تعيد اليهم ما اخذته منهم تمهيدا لطرح المثالثة التي تساوي بين الطوائف الكبرى الثلاث: السنة والشيعة والمارونية بحيث تحل هذه "المثالثة" مكان "المناصفة" ليصبح دور الشيعة موازيا ومساويا لدور السنة والموارنة في السلطة.
وكما عمد النظام السوري في الماضي الى وضع رئيس الجمهورية في مواجهة رئيس الحكومة ووزراء "ثوابت" في الحكومة لمواجهة رئيسها، ثم جمعت الرؤساء الثلاثة لمواجهة بعضهم بعضا في اطار "الترويكا"، وحرضت عون على جعجع والكل على الرئيس امين الجميل، فان هذا النظام يحاول اليوم وضع الزعيم الماروني العماد ميشال عون في مواجهة الرئيس الماروني الآخر العماد ميشال سليمان، لتبقى سوريا هي المرجعية وهي الحكم الذي يفصل في خلافاتهما وصراعاتهما إما لمصلحة هذا او ذاك وفقا لمصالحها واهدافها سواء جاءت نتائج الانتخابات المقبلة لمصلحة قوى 8 آذار أو لمصلحة 14 آذار.