"سورنة" الوجدان العوني
"والنظام السوري العاجز، بسبب طبيعته الدكتاتورية، عن اعادة النظر بأساليبه، والتأقلم مع الديمقراطية وحقوق الانسان، والذي يحكم شعبه بالفكر الواحد وقانون الطوارئ منذ أربعين عاماً، لا يستسيغ الحالة اللبنانية الحرة، لأنها تشكل نموذجاً سيئاً بالنسبة له، ويخشى اقتداء الشعب السوري بها. ولذلك، فهو يحاول الغاءها باستنساخ نظام لبناني عنه، ويدفع عملاءه اللبنانيين بهذا الاتجاه، مستخدماً القضاء وأجهزة المخابرات.
وعندما روّج النظام السوري، منذ سنوات، لعملية الانفتاح، أعلن في أكثر من موقف وموقع أنه أعجز من أن يقوم بأي حركة اصلاحية، لأن اطلاق الحريات العامة لا يمكن أن يحدث على يد من بنى حكمه بالحديد والنار، وقد صحّت جميع تقديراتنا في هذا الموضوع، وتؤكدها التجربة التي يعيشها اللبنانيون كل يوم مع هذا النظام، من خلال القرارات التعسفية والاعتباطية التي تفرضها مخابراته على المؤسسات اللبنانية. واذا كان بعض الغرب ما زال يأمل بأن الحكم السوري قادر على اصلاح ذاته، فهذا البعض يقوم برهان فاشل، لأن التجربة اليومية تقول العكس، والتجربة هي أصدق البراهين".
العماد ميشال عون-النشرة اللبنانية العدد 273 تاريخ 27/12/2003.
في زمن المسرحية الهزلية التي عرضت فصولها في الشام الأسبوع الماضي، وفي زمن تنقية الوجدان العوني- السوري، لا بد من المصارحة سيما بين مكونات الشعب اللبناني لتحديد ما يريده اللبنانيون فعلاً ان على صعيد علاقاتهم الداخلية في ما بينهم أو على صعيد العلاقات الخارجية سيما مع الجارة سوريا، آخذين في الاعتبار ان تنقية الذاكرة تفترض بداية الاعتراف بالاخطاء والعمل على اقفال الملفات العالقة
والسعي لبناء علاقات على اسس جديدة مستفيدين من الماضي وعبره كي لا نقع في الاخطاء مجدداً. لذلك لا بد من التأكيد على ان بناء علاقات ندّية مع سوريا لا يبدأ بتزوير حقيقة ان نظام بشار الاسد هو امتداد لا بل اجترار لنظام حافظ الاسد، وان الملفات العالقة بين البلدين والمثقلة بالكثير من الدماء والعذابات والقهر والتجارب المرة لا يجوز تجاوزها او تجاهلها وبالاخص لا يجوز انكارها اذا كنّا فعلاً صادقين في بناء علاقات سليمة مع نظام آل الأسد…
سئل العماد عون مرة عن امكانية الوصول الى علاقات سليمة بين لبنان وسوريا فأجاب بالايجاب، الا انه اردف قائلاً ان ذلك يتطلب تقارباً في الثقافات والعادات وتوحداً في الاقتصاد والقوانين وانهى قائلاً " انك لا تستطيع ان تقصر الزمن او تختصره لمجرد أنك تريد ذلك".
فعلاً لا يجوز اختصار الزمن كما لا يجوز اختصار أزمة العلاقات اللبنانية السورية التاريخية بالخصومة بين سوريا من جهة والمسيحيين اللبنانين من جهة أخرى. فالتاريخ الذي دعانا العماد عون الى قراءته يشير الى اشكالية اعتراف سوريا بوجود الدولة اللبنانية ككيان مستقل كما يبّين بوضوح حجم التدخلات السورية في لبنان لمنع استقراره منذ الاستقلال وحتى اليوم، فهدير الطائرات الخاصة لا يحجب اصوات الامهات في ساحة الاسكوا والسجاد الاحمر لا يخفي الجراح الملتهبة والنازفة على امتداد عشرات السنين وصولاً الى غزوة بيروت في 7 ايار الماضي المظللة بصور بشار الاسد المرتفعة فوق اشلاء بيروت.
ان الوجدان المسيحي لم ولن ينسى الاغتيالات التي طالت قياداته وعلى رأسها الرئيس الشهيد بشير الجمّيل كما لن ينس المجازر التي ارتكبت بحقه ان على يد السوريين مباشرة او بسلاحهم وتغطيتهم، هذا الوجدان لن ينسى ديرعشاش وبيت ملات وتل عباس والدامور والاشرفية وزحله… كما لن ينسى من نكّل بالشعب اللبناني واقتاد
خيرة شبابه الى السجون وحوّل أرضه الى ساحة صراع اقليمي يستخدمها في بازاراته وصفقاته ولا يزال.
من هنا فان الوجدان المسيحي يسامح ولا ينسى، لكنه ولكي يسامح بحاجة الى معرفة مصير السجناء والمفقودين في السجون السورية كما بحاجة الى اقامة علاقات دبلوماسية حقيقية لا صورية كما يجري الآن ترتكز على علاقات رسمية بين البلدين وذلك من خلال السفراء لا من خلال البدعة المسماة المجلس الاعلى وبالتأكيد ليس من خلال علاقات خاصة موازية بين الرسميين السوريين والاحزاب والشخصيات والقوى اللبنانية المنضوية تحت خانة حلفاء سوريا. بينما المعلوم ان لا وجود لحلفاء في العلاقة بين دولة ومجموعات حزبية وميليشياوية في دولة أخرى، هذا بالاضافة الى ترسيم الحدود بين البلدين في خطوة تؤكد اعتراف سوريا باستقلال لبنان وتنهي الطمع السوري التاريخي بضم لبنان اليها.
اما الخطوة الاساس المطلوبة لاقامة علاقات سليمة بين البلدين تكون بانهاء اعتماد الساحة اللبنانية ساحة للصراع العربي الاسرائيلي وساحة التسويات السورية الاسرائيلية على حساب دماء اللبنانيين وذلك عبر انهاء ملف مزارع شبعا عن طريق الاعتراف الرسمي بلبنانية هذه المزارع من خلال توقيع معاهدة بين حكومتي البلدين تسجل رسمياً لدى الامم المتحدة وفقاً للمادة 112 من ميثاقها تمهيداً لتعديل الخارطة الرسمية السياحية لسوريا التي تشمل المزارع المذكورة. هذه الخارطة التي كان قد نشرها الاستاذ جان عزيز (أحد أعضاء الوفد المرافق لعون في جولته التاريخية على سوريا ومدير الاخبار حالياً في التلفزيون العوني) وذلك في جريدة البلد بتاريخ 08/03/2006 ضمن مقاله "مزارع شبعا ليست لبنانية".
ان بناء علاقات لبنانية سورية صحيحة يفترض تنقية الوجدان لا اغتياله كما حدث في دمشق. فالمطالبة باعتذار اللبنانيين من بعضهم البعض ( اذا ما أخذنا بالتوضيحات
العونية لكلام العماد عون) لا تتم من على المنابر السورية لا بل على طاولة الحوار اللبنانية وبرعاية الرئيس اللبناني، والاعتذار السوري على ارتكاباته بحق لبنان واللبنانيين ليس مرتبطاً باعتذار اللبنانيين الى بعضهم البعض، والعلاقات الصحيحة والندية تفترض حكماً قراءة التاريخ لا تزويره كما حصل في دمشق أيضاً عبر ادعاء العماد عون أن الحرب أو الخصومة كما سمّاها "بدأت محلية (أي لبنانية لبنانية) ثم تحولت في اتجاه سوريا نتيجة سوء ادارة الحكم اللبناني". فالمسلحون الفلسطينيون لم يهبطوا بالمظلات فوق لبنان، وسلاحهم لم يأت عن طريق اسرائيل وحصار لبنان عبر اقفال الحدود يوم حاول الجيش ضبط المخيمات الفلسطينية (تماماً كما حصل في الاردن وسوريا) لم تنفذه القوات الاميركية لا بل السوريون انفسهم الذين دخلوا لبنان من دون اذن من أحد تماماً كما أعلن الرئيس السوري حافظ الاسد في خطابه التاريخي في 20 تموز 1976 من على مدرج جامعة دمشق اياها.
هذه النظرية العونية الجديدة عن الحرب الأهلية اللبنانية التي استجلبت تدخلاً سورياً والذي أدى بنتيجة "سوء ادارة الحكم في لبنان" الى صراع مع السوريين ما هي الا اغتيال فاضح للوجدان العوني الذي ارتكز تاريخياً على تحميل التدخلات الخارجية لا سيما السورية منها مسؤولية ما آلت اليه الاوضاع في لبنان، ويكفي التذكير ببعض ما اعتاد العماد عون على التصريح به لتبيان مقدار التشويه الذي اصاب الحقائق التاريخية الموثقة:" ولعب النظام السوري الدور الأول في هذه الحرب، فادّعى أولاً حماية الثورة الفلسطينية من اللبنانيين، فتحالف معها حتى تمكّن من تقويض استقرار المجتمع اللبناني، وتهديم مؤسساته الأمنية، ولما بلغ هذه المرحلة، ادّعى حماية لبنان من الفلسطينيين، وشرّع دخوله تحت اسم قوات الردع العربية العام 1976. ما بين العامين 1976 و 1982، كانت "قوات الردع العربية" بقيادة رئيس الجمهورية اللبنانية، ولكن القسم السوري منها، وهو الأكبر، تصرّف باستقلالية تامة عن باقي القوى، وعن رئيس الجمهورية، فقصف الأحياء السكنية وارتكب المجازر، فرض
الرقابة على الصحف وأقفل بعضها، اغتال سياسيين ورجال دين وصحافيين ودبلوماسيين ونسف سفارات، وهجّر معظم مواقع الدبلوماسية الدولية من بيروت، كما خطف جماعاتٍ وأفراداً من المواطنين، وقام بتصفيتهم، وشجّع على ارتكاب المجازر في بعض المناطق، كما اغتال الأسرى العسكريين، ولا يزال يحتفظ في سجونه بكثير من المخطوفين". ميشال عون – 07/03/2003 من محاضرة ألقيت في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية في واشنطن.
ان الصراحة تفترض مطالبة العونيين باعادة قراءة الانعطاف الخطير في مسار العماد عون السياسي فبعد أن دأب على المطالبة بتحرير النظام اللبناني من "السورنة" ها هو يسعى لسورنة الوجدان العوني.
لذلك بات لزاماً علينا وبعد أن نجحنا معاً في التحرير الجزئي للنظام اللبناني من "السورنة" العمل على انقاذ الوجدان العوني من "السورنة"، بدءاً بانهاء فصول هذه المسرحية المخزية وصولاً الى تنقية هذا الوجدان تحديداً تجاه اللبنانيين اولاً وتجاه المسيحيين بشكل خاص، كي نعمل معاً على بناء الدولة التي لطالما حلمنا بها وناضلنا في سبيلها، على أمل الوصول مستقبلاً الى علاقات سليمة بين الدولة اللبنانية والدولة السورية، وذلك من اجل ارساء الاستقرار في المنطقة وليس من اجل حماية مسيحيي الشرق كما يدّعي البعض. فحماية مسيحيي الشرق ولا سيما اللبنانيين منهم تكون من خلال الدولة اللبنانية فقط، الدولة التي تبسط سلطتها من خلال جيشها الوطني دون سواه على كامل التراب اللبناني وما تحته وما فوقه.