… ملح الرجال!
في قراءة هادئة لما ادلى به العماد البرتقالي وهو خارج من زيارة الرئيس ميشال سليمان ، وما ورد في البيان الصادر عن المكتب الأعلامي لرئاسة الجمهورية (خلافاً للعادة) يمكن للمراقب ان يرى بوضوح معظم خارطة الطريق التي جرى التوافق عليها خلال زيارة عون لسوريا من جهة ، وما يرجوه الرئيس التوافقي من الحركة السياسية الداخلية والتي يفترض ان تؤدي بحسب البيان الصادر ، الى مناخ تهدئة توصل الى استكمال المصالحات اللبنانية ، والأمتناع عن التصعيد الكلامي فيما يتعلق بعلاقات لبنان الخارجية وعدم التعرض للدول الصديقة والحليفة كما جاء في البيان الرئاسي حرفياً .
و … ملح الرجال ، ظهر في أول كلمات العماد البرتقالي وهو خارج من القصر الجمهوري ، عندما افتى بأن الزيارة تأتي " كي لا تفهم الحفاوة السورية به رسالة الى الرئيس سليمان ! " وهي لا يمكن ان تفهم الاّ على هذا النحو ! خصوصاً وان المبالغات التي تضمنتها جاءت نافرة ومسرحية بإمتياز شكلاً ومضموناً ! والغايات المرادة منها جلية؟ وهي ان سلة المطالب السورية المتجددة وضعت مجدداً في جيب عماد لبنان مباشرة عبر اليد السورية هذه المرة ! وليس بالواسطة الألهية كما جرت العادة في مرحلة العرقلة السابقة لإتمام الأستحقاق الرئاسي ومنع عودة الحياة الطبيعية الى المؤسسات الشرعية والدستورية والتي دامت 6 اشهر كاملة اعقبت خروج " العماد المكاوم " من قصر بعبدا في ت2 العام 2007 !
والبرتقالي نسف على باب القصر ما طلبه الرئيس سليمان حول التهدئة واتمام المصالحات ! وهذه تمت عبر الأسئلة المحضرة سلفاً الي طرحت عليه ، والتي استعاد فيها مرحلة الوصاية دون انقطاع جاعلاً السنوات الثلاث التي اعقبت الخروج السوري جزءاً منها ؟ ! ومطيحاً بكل الأحلام الوطنية التي سادت الناس فيها ودفعتهم للتضحية والنزول الى الشارع في مسعى لتعزيز الحركة الأستقلالية وتمكينها من بلوغ الخواتيم السعيدة ، ووضع نقطة على سطر سنوات الأحتلال وطيّ صفحتها الى الأبد !
وبالكلام الصريح ، رفض العماد البرتقالي مساعي التهدئة ، وارسل رسالة الى حلفائه لرفض اتمام المصالحات (الشمالية اولاً ، والزيارة الى بكركي تالياً ) وهاتين ترفضهما دمشق بالمطلق ، وهي التي تقف وراء تفشيل مسعى الرابطة المارونية حولهما ! وهو مسعى مدعوم من الرئيس سليمان ، ومن حاضرة الفاتيكان ايضاً ، واسباب الرفض السورية معروفة وواضحة تماماً ، فالتهدئة تعني زوال مبررات القسمة ، وتجعل الناخب يختار وفق المشروع السياسي المحدد بإثنين : الدولة اللبنانية السيدة الحرة المستقلة ، والدويلة التي تنمو كل صباح وتكبر وتتمدد على حساب المؤسسات الشرعية والدستورية وتقضم الأرض وتخيف الناس بالسلاح ، وبإرتباطاتها الخارجية المشبوهة ، ولبنان اختار منذ 14 -3-2005 (النزول الى ساحة الحرية) على هذا المستوى ، والتهدئة واتمام المصالحات يقتل المشروع السوري ويخنقه ، وهذا ما ترفضه الشقيقة والحزب الألهي ومعهم عماد لبنان وباقي مكونات 8 آذار ايضاً !
وعدم التعرض للدول الصديقة والشقيقة مرفوض ايضاً ، لأنه الباب الذي تسعى دمشق والحزب وعون للدخول منه الى تخويف المسيحيين ! عبر الحديث عن المال السياسي المزعوم من جهة ، وعن الأصولية والسلفية اللتين تطرق اليهما الرئيس الأسد من جهة ثانية ! والنتائج التي يرجوها محور الشرّ تأتي في صناديق الأقتراع ! لأن القسمة مفيدة جداً في هذا المجال والتهدئة مضرة ولا طائلة منها ولا فائدة !
والموضوع الآخر الذي جرى التدول حوله في الزيارة وقبلها ايضاً ! تطرق اليه عون في سوريا ، واعاد طرحه امس في الداخل حليفه السوري وئام وهاب ، الذي نعى (بعد البرتقالي) اتفاق الطائف مطالباً بإستعادة بعض صلاحيات رئيس الجمهورية ! وهذه لا يشكو احد منها راهناً لأن الرئيس اليوم يمارسها دون معارضة او تعارض، بعد ان كانت سوريا والنظام الأمني يصادرونها على مدى الولايتين الممددتين (واللتين استمرتا 18 عاماً) حتى يمننوا المسيحيين بما يعطونه من جهة ! ويستمرون في " القبض " على الرئاسة من جهة ثانية !! ولعل خروج الرئيس سليمان على هذه القاعدة السورية الذهبية ! هو في أول اسباب الرسائل التي توجهها دمشق الى بعبدا ، في زيارة عون ، وفيما سبقها من افلام تلفزيونية مفبركة ، وما سيلي ايضاً في مراحل لاحقة قريبة !
ويبقى ان العماد البرتقالي الذي وصف زيارته الى قصر بعبدا بأنها " الحاقاً لزيارة سوريا " اراد الأيحاء للناس بأن الحج الى الشقيقة كان منسقاً مع الرئاسة ! وهذا بتقديرنا ما استدعى البيان الأعلامي الذي وضع النقاط على الحروف ، واكد ان الذكريات لا تحيي اوطاناً ! وان في بال الرئيس التوافقي ان المصالحة والتهدئة هما السبيل الوحيد لبلوغ لبنان منطقة الآمان الوطني عبر الألتقاء الداخلي الشامل ، وعبر احترام القواعد في التعامل مع الدول الشقيقة والصديقة .