لا صفقات…
من تقاليد الانتخابات النيابية في لبنان أن تشغل البلد واهله، والمنطقة العربية واهلها، قبل اشهر من مواعيد الاقتراع.
هذا في الظروف العادية والطبيعية، فكيف في الاوقات الصعبة والعصيبة، لبنانياً وعربياً واقليمياً ودولياً؟
إن لم يكن كل العرب، فمعظمهم.
وإن لم يكن كل العالم، فمعظم الدول الكبرى.
ذلك ان لبنان كان ولا يزال يشكل تلك العلامة الفارقة والمميزة في جبين المنطقة.
وكان ولا يزال الجسر الوحيد الذي يصل الشرق بالغرب على رغم السنوات الاربعين من الحروب. وعلى رغم الانفتاحات المتعددة في المنطقة، شرقاً وغرباً.
وكانت بيروت ولا تزال عاصمة العرب، وجامعة شملهم، ومقصدهم، و"المتنفّس" الديموقراطي الوحيد لكثيرين منهم.
وهي التي لا تزال العاصمة العالمية للتعددية ولتعايش الديانات والثقافات والحضارات المختلفة، وفي بوتقة واحدة، وفي مساحة جغرافية لا توازي بحجمها المتواضع مساحة مدينة عادية في هذه الدولة الكبرى او تلك.
الكلام اليوم في لبنان وحوله هو كلام انتخابي. وما ذلك إلا لكون الاستحقاق النيابي الذي بات على الابواب يكاد يكون، عن حق وحقيق، الحدث الاهم والاخطر في تاريخ لبنان، سواء قبل الاستقلال او بعده.
وليس مبالغة قول القائلين إن موعد لبنان مع الربيع المقبل هو موعد مع الاستقلال الفعلي، والوحدة الوطنية الحقيقية، والديموقراطية الراشدة، وانحسار التدخل الخارجي؛ او الفوضى والمجهول.
وليس من باب تهبيط الحيطان او تثبيط الهمم، بل لوضع النقاط فوق الحروف.
ما يقلق اللبنانيين عادة هو أن تكون ثمة صفقات دولية – عربية – اقليمية على حساب لبنان، ومن وراء ظهر اهله ومسؤوليه والغيارى من اشقائه واصدقائه.
لكن العائدين من العواصم "الفاعلة"، وخصوصا واشنطن، يؤكدون ويجزمون ان لا صفقات، ولا مقايضات، ولا تراجع قيد أنملة عن قرار التمسك بلبنان الواحد الموحّد المستقل.
أما باريس عاصمة الأم الحنون، ومربط خيل اللبنانيين في السراء والضراء، فانها لا تدع مناسبة لبنانية او عربية تمر من دون التشديد على مبادئ ثلاثة:
لا مساومة في شأن لبنان.
لا تساهل من حيث عدم التدخل في الشؤون اللبنانية، مباشرة او بواسطة حلفاء من الداخل.
لا تراجع عن تعهداتها القديمة المستجدة للحفاظ على استقلال لبنان وسيادته ونظامه.
وبلسان رئيسها الصريح جداً مسيو نيكولا ساركوزي، الذي تعمَّد ان يذكّر قبل أيام بمضمون "التفاهم" الذي تم مع دمشق في موضوع لبنان.
أما المراهنون على متغيّرات دولية واقليمية للانقضاض على الداخل وعلى الانتخابات، فليخيّطوا بغير هذه المسلّة.