كثير من الرماد!
الدستور ليس مقدساً، وكل الدساتير عرضة للتغيير في وقت من الأوقات إذا رغب الشعب في ذلك.
هذا الأمر صحيح تماماً. لكن الدعوات المتزايدة الى تغيير الدستور اللبناني في هذه الايام انما تأتي في نطاق عراضة سياسية ستزداد صخبا من الآن حتى الانتخابات النيابية المقبلة، وعلى خلفية ذر المزيد من الرماد والرمال في عيون بعض المسيحيين، وخصوصا منهم الموارنة، عبر القول ان تعديل الدستور انما هو لاستعادة بعض صلاحيات رئاسة الجمهورية.
يريد البعض طبعا عشية الانتخابات، ان يظهر تكرارا كمن يناضل من اجل حقوق المسيحيين، فالمطلوب ان يظن الناس ان "حركة استعادة عود الصليب" تناضل من اجل استعادة صلاحيات الرئيس الماروني. ولأنها كذلك فيا غيرة الدين، اذهبوا واقترعوا لمرشحيها. أوليس هذا ما حصل تماما في انتخابات عام 2005 وسط قرع الطبول عينها، ولكن وفق إيقاع مختلف؟
❒❒❒
كثير من الرماد والرمال في عيون بعض المسيحيين الى درجة انهم قد لا يتوقفون مليا امام سؤال بسيط:
وهل سيقتصر تعديل الدستور، اذا ما حصل وهو امر مستبعد، على اعادة صلاحيات "ضائعة" الى رئاسة الجمهورية؟
قطعا، لا. فالتعديل هنا سيفرض تعديلا هناك وربما تعديلات. ولقد كان الرئيس نبيه بري صريحا وواضحا عندما قال بداية ان المطالبة بتعديل الدستور لجهة صلاحيات الرئيس قد تصبح مقبولة عندما يصير انتخاب الرئيس من الشعب مباشرة.
وهذا كلام واضح. ولكن المهم اكثر ان يكون واضحا في اذهان الذين تسكرهم هذه الايام المطالبة باستعادة صلاحيات الرئيس المسيحي، ان انتخابات الرئيس من الشعب ستكون مدخلا الى انتهاء الزمن الذي يكون فيه رئيس الجمهورية مارونيا او مسيحيا.
ولأن الرئيس بري حريص على اللياقات ولا يريد ان يظهر كأنه يعارض المطالبة بـ"حقوق" الرئاسة المارونية، لم يتوان عن تكرار الكلام المسؤول امام معايديه في المصيلح من "ان الدستور في الاساس ليس مقدسا ولكننا نتمسك بالطائف"، وان التعديل يحتاج الى اجماع اللبنانيين لانه امر ميثاقي والاجماع ليس متوافرا على ما يعرف الجميع.
طبعا وسط دوي قرع طبول "حقوق المسيحيين" قد يضيع كلام بري عندما يقول: "ان الطائف ارسى المشروع التأسيسي للبنان الجديد ونحن ملتزمون به على رغم ان الاختلاف السياسي مستمر. لكن هذا لا يبرر طرح التعديل في الوقت الحاضر، لاسيما ان الطائف يعتبر نقطة الارتكاز الرئيسة في الدستور ومن غير الجائز المساس بها ما لم يتبدل الجو السياسي من ناحية ويحظى بتوافق لبناني".
ولن يكون مستغربا اذا تمت زكزكة عواطف بعض المسيحيين بالهمس في آذانهم الصماء: أرأيتم، نحن نناضل لاستعادة صلاحيات رئاسة الجمهورية رغم كل هذه العوائق!
❒❒❒
واذا كانت نظرية "المثالثة"، بدلا من "المناصفة" التي اقرها الطائف، قد انحسرت في الاشهر الماضية، فإن الحركشة في الدستور لاثارة "الشعبوية المسيحية"، سرعان ما ستوقظ مسألة "المثالثة" التي لا تعطي المسيحيين دورا في الدولة يزيد على الثلث ويكون الثلثان الآخران للشيعة والسنة.
عندها ربما يعوّضكم الله البركة بعد خسارة المناصفة، الا اذا كان البعض يظن انه مثل آل البوربون وعرش فرنسا، يطالب بالعرش الماروني على لبنان… ولكن بهدف المحافظة فقط على بعض المقاعد النيابية، التي تم الفوز بها بعدما صارت "حقوق المسيحيين" مجرد طبل نقرعه لتجميع الناس!