يلغي الضمانات ويشرع الهرطقات ويمهّد للتركيبات الفيدرالية
تعديل الطائف: وضوح الهدف وخطر الأبعاد
إذا ما وضعت جانباً الخلفيات وظروف الزمان والمكان وملابساتهما، بل ومشاعر أكثرية اللبنانيين، لما تستبطنه دعوات تعديل اتفاق الطائف، فإن للأمر أبعاداً تتعدى المباشر من الأزمة اللبنانية لتقارب المسّ بالكيان والصيغة والشراكة الوطنية اللبنانية.
ففي لبنان، لا أحد يجادل في أن اتفاق الطائف قد تعرض لـ "التفريغ" على امتداد مرحلة الوصاية السورية بما أتاح المجال لنظام دمشق لإحكام سيطرته على القرار السياسي اللبناني من خلال السيطرة على المؤسسات الدستورية. بمعنى أن الهيمنة السورية لم تمكّن اللبنانيين من المضي في تطبيق الطائف طيلة الفترة المذكورة.
لكن اللافت هو أن مواقف تلاوين المعارضة في لبنان المنتقدة للطائف والمطالبة بتعديله منذ الانسحاب السوري، تأتي من تحالف لم يؤمن أساساً بهذا الاتفاق ـ الضمانة، وقد أثبتت الوقائع والأحداث منذ العام 2005 خصوصاً، أن كل ممارساته هي بمثابة انقلاب على الطائف والدستور.
وعلى امتداد السنوات الثلاث الأخيرة، سمع اللبنانيون من هذا الفريق، "هرطقات" ومصطلحات وتفسيرات جرى تنسيبها الى الطائف والحال أن لا دخل للطائف بها من قريب أو بعيد، فيما يستعيد آخرون في هذا المقام، اقتراحاً سبق أن ناقشته ايران مع بعض أطراف المجتمع الدولي صيف العام 2007 ويقوم على تعديل الصيغة اللبنانية بما يحسّن ظروف الشراكة الشيعية من خلال اعتماد صيغة المثالثة بدل المناصفة مقابل المساهمة في حل الأزمة اللبنانية وأيضاً بحث تخلي "حزب الله" عن سلاحه.
بين تفريغ الطائف والانقلاب عليه
فاللبنانيون يذكرون الشعارات التي توسلت الطائف ذريعة لتعطيل البلاد بهدف عرقلة المحكمة الدولية، تارة تحت شعار "حكومة الوحدة الوطنية" في حين أن الطائف لم ينص إلا على حكومة وفاق وطني ولمرة واحدة ولمهمة واحدة هي وضع بنوده موضع التنفيذ، وتارة أخرى تحت مسمى "الثلث المعطل" (أو الضامن أو المشارك) فيما الطائف أكد على أطر المشاركة الوطنية لا على تعطيلها ضنّاً بالصالح العام واستمرارية عمل المؤسسات، كما أنه لم ينص أو يُشر أو يلمح الى أن استقالة وزراء طائفة أو مذهب تنزع الشرعية عن الحكومة فتجعلها غير دستورية طالما أنها شكّلت على أساس من مراعاة الميثاق الوطني في العيش المشترك، وحدد بشكل دقيق الحالات التي تجعل منها غير دستورية أو في حكم المستقيلة. بمعنى أن الطائف نظّم أطر إنتظام عمل المؤسسات المكوّنة للسلطة وليس تلفيقات فرطها. ثم بعد كل ذلك أتى حينها من نظّر للالتزام بالطائف، لا بل زايد في ادعاء التمسك به، ومرّت الأيام وجاء من يطالب بإعادة النظر فيه لأن له ملاحظات عليه.
على أن الحقيقة تقتضي الاعتراف، بأن كل التفسيرات والتلفيقات التي يطرحها هذا التحالف، الى كونها غير دستورية ولا تنتسب الى الطائف، لأنه (التحالف) في الأصل لا دخل له بالطائف وقد توسل تكراراً حركة انقلابية على امتداد السنوات الثلاث الأخيرة تحت هذا الستار، فإلى مواقف الجنرال ميشال عون لطالما اتسم موقف "حزب الله" من الطائف بالسلبية، لا بل إن كل حلفاء النظام السوري في لبنان ربطوا شَرطياً بين "الطائف" و "الوصاية". فالطائف عند هؤلاء قام على أساس وجود الوصاية السورية، فإذا ما انتهت تحت أي ظرف انتهت مفاعيل هذا الاتفاق وبات لبنان بحاجة الى صيغة جديدة.
استهداف الطائف أم الدولة
لقائل أن يقول، وما يضير فريق الأكثرية مطالبة أي طرف بتعديل الطائف، طالما أن الأمر يحتاج الى إجماع سياسي وليس أكثرية نيابية كما يرى البعض مراهناً على تحولات ما بعد استحقاق ربيع 2009، وطالما أن المسّ بالمناصفة الإسلامية ـ المسيحية التي أرساها الطائف سترفضها البيئة المسيحية قبل غيرها لاعتبارات كيانية ووجودية وميثاقية. لكن شيئاً من الواقعية يقضي بطرح هذا السؤال بصيغة هل معالجة التوتر القائم عند بعض المسيحيين حيال الطائف يعالج بدفعهم نحو المثالثة بديلاً من المناصفة التي أرساها الطائف؟.
وتأسيساً على ذلك، يعتبر مصدر في الأكثرية ان "الطائف بما هو الاتفاق الذي أنهى الحرب الأهلية في لبنان، هو إتفاق الإجماع اللبناني، وبالتالي فإن الحديث عن تعديله يحتاج الى إجماع وطني بكل ما للكلمة من معنى". ويلفت الى ان "لا شيء يمنع تعديل الطائف، فهو ليس كتاباً سماوياً وإمكانية تعديله متاحة، ولكن ضمن أصول الإجماع الوطني وقواعده، بمعنى أن ثمة خطوطاً عريضة حسمها الطائف، وهي ما يتصل بنهائية الكيان اللبناني وتعددية مجتمعه وضمان الحريات فيه"، ويستدرك بأن هذه الأمور "مساحة محرمة على التعديل، وما عدا ذلك فهو ما يستلزم الإجماع وليس الأكثرية".
فالحل السحري الذي ابتكره الطائف وأنهى بموجبه الحرب الأهلية قام على أساس اهمال العدد الراهن للمسيحيين والمسلمين مقابل اعتماد المناصفة بينهم وتوزيع النسب المذهبية في كلا النصفين المسيحي والمسلم، بما لا يمكن أياً من المذاهب في لبنان من امتلاك الثلث منفرداً، تماهياً مع "معنى" لبنان، بما هو رسالة للعيش المشترك ونموذج للتعددية في المنطقة.
واقع الأمر، وهو ما يقتضي التشديد عليه، هو أن الارتداد على الطائف والدستور، معبراً عنه بكل المواقف والممارسات والمطالبات والعرقلات لمجمل الفريق السوري، هي في واقع الحال ارتداد على الدولة، فكرة ومشروعاً ومؤسسات وصيغة ومصائر، هي ضربٌ لكل ذلك في الصميم ورميٌ للبنان في المجهول.
فاتفاق الطائف، في المرحلة التي وضع نهاية لها وتلك التي أطلق مسيرتها، يمثل مرجعية مسيرة بناء الدولة في لبنان، جرى تنفيذ بعضها وتعطيل أكثرها لمصلحة الوصاية. أما وقد زالت الوصاية، فإن أي طعن فيه (أي في نصوصه) إنما هو بمثابة إنقلاب على الدولة. والأخذ بالمواقف التي ترددها المعارضة في هذا الإطار يعني الالتفاف على مرجعية الشراكة الوطنية وعملية بناء الدولة في آن، وأكثر من ذلك هي تمهّد لإعادة تركيب النظام اللبناني على أساس فيدرالي بدل الدولة المركزية.