1957 – 2005… وكفى!
حين بلغت مقصلة الاغتيالات السياسية جبران تويني في 12 كانون الاول 2005 واردته، ادرجه القدر ابن جيل عاش بين تاريخين لا يقلان رمزية في الدراماتيكية التي اودت به. تاريخ ثورة 1958 التي ولد جبران عشيتها عام 1957، وتاريخ ثورة 2005 التي اغتيل تسعة اشهر بعد نشوئها.
ربما بعد ثلاثة اعوام على اغتياله صار ممكنا التمعن بعقلنة، على صعوبة شاقة في تجاوز الانفعال، للنظر الى جبران تويني كرمز لجيله وما ساهمت احداث 48 عاما عاشها في دفعه الى السقوط ثائرا ومقاوما باسم هذا الجيل اكثر منه صحافيا وسياسيا ونائبا.
من هذه الزاوية الارحب والاوسع لا تعود شهادة جبران تويني مقتصرة على انطباع "العموم" المتجمد عند المعاني الدراماتيكية للسقوط ضحية الصوت المرتفع، والمقال الناري، والجرأة الانتحارية، بل تأخذ حقها الاعمق الضارب في ابراز المكونات المتراكمة التي جعلت مقاوما بالكلمة، اعزل الا من قلمه وصوته وموقفه، "يؤمن" الى درجة المجازفة القاتلة بأن الحرية اثمن من الحياة نفسها، وبأن لبنان وحده بلد يليق بشهادات من هذا "المستوى اللائق".
مفارقة هذا البُعد في استشهاد جبران تويني انه حين سقط كان قد جنح بقوة غريبة الى رعيل الاستقلاليين الاوائل، ابناء جيل 1943 بنكهته الثائرة التي كان يجسد عبرها التململ التي طبع جيل حرب 1975 على جمهورية الاستقلال الاولى وكبار الكلاسيكيين في رعيلها. لم يكن قسم جبران تويني في 14 آذار 2005 سوى ردة قوية الى المعنى التوحيدي والوحدوي بين "المسلمين والمسيحيين" بعدما ابرزت ثورة 2005 الاهمية الحاسمة للبعد الوحدوي في نجاح ثورة الاستقلال والسيادة. وجبران تويني، كسواه من جيل لم يعرف الا القليل النادر من ماض مستقر في لبنان وحفلت حياته بالتنقل من محطة حربية الى محطة قتالية فالى محطة دموية وجولات داخلية وخارجية، ولم يكن اقوى في تكوين تفكيره السياسي وصياغة موقفه واقتناعاته من الاستباحات المتواصلة المدمرة لواقع السيادة والاستقلال ناهيك بموروثات اشد تدميرا في واقع الانقسام الطائفي اللبناني وتركة الجمهورية الاولى العليلة المتداعية تحت وطأة هذه الحروب والاستباحات.
بذلك لا يعود جبران تويني شهيد خصائصه الشخصية وخياراته الذاتية وجرأته التي لا تعرف حدودا وممنوعات ومحظورات وخطوطا حمرا فحسب، بل هو رمز جيله الذي تمزق شر تمزيق بين بحث ضائع ومضن عن وطن ظلت معاييره تهرب منه، ومفاهيم قسرية قاسية اجبرت هذا الجيل على ابتكار انماطه الخاصة بالمقاومة والصدام واثبات الحضور، وفي كلا الحالين كان رمز جيل مدافع عن زجه في اقدار لم يساهم هو قط في صنعها. حتى ليمكن القول ان "ثورة الارز" نفسها كانت في جانب غير مرئي منها، انعكاسا لهذا الظلم العاتي الذي حكم على جيل ما بين الثورتين، ثورة 1958 وثورة 2005، الا يعيش سوى حقبات لاهبة وجولات متعاقبة من الزعزعة والاضطراب والانفجارات والاستباحات فجاء تعبيره مدويا في الانتفاض على هذا الموروث الثقيل.
لم تكن مسألة السيادة والاستقلال والحريات شعارا ترنيميا، ولن تكون كذلك في يوم، ما دامت خمسة عقود متداخلة بين الاستقلال الاول والاستقلال الثاني تبقي هذه المسألة امرا عالقا، وتبقي معها جيلا اثر جيل رهينة حياة عالقة والهروب من قدر بلد لا يعرف ان يكون دولة ويعجز عن ان يكون دولة. عند هذه الحدود تماما وخطوط التماس النارية القاتلة، سقط جبران تويني مدافعا عن جيله وصارخا باسمه نشيد الحياة بلا ثورات ودماء وشهداء وحروب.