غايته كانت وتبقى ضمان ديموقراطية الانتخابات
القرار 1559 مرجعيّة موجبة للإشراف الدولي الرسمي
انتخابات 2009 مصيريّة. الجميع يدرك ذلك. وهي تجري تحت المجهر الدوليّ. إذاً، فالاستعداد الذي يبديه مراقبون عالميون لمواكبتها يعدّ فأل خير بكافة المقاييس.
إلا أنّ المواكبة الدوليّة لا يمكنها الاقتصار على مؤسّسة خاصّة بعينها. هي بالأساس مهمّة الأمم المتّحدة. ولا بدّ من التذكير أوّلاً بأن الانتخابات التشريعيّة المقبلة، وبصرف النظر عن القانون الانتخابي الذي تجري على أساسه، إنما تخضع لمرجعية القرار الدوليّ رقم 1559.
صدر القرار في خريف 2004. كان مسوّغه هو عدم تمكّن لبنان من إجراء انتخابات رئاسيّة طبيعيّة، وخرق الدستور بشكل فاضح، وفرض التمديد بالعسف والقسر. لم يلحظ القرار بنداً واضحاً يقضي بالإلغاء المسبق لنتائج الفعل اللادستوريّ الفاضح. لكنّه شخّص الأسباب التي تحول دون إجراء انتخابية رئاسية طبيعيّة، واقترح تذليل هذه الأسباب.
1559
الأسباب التي تمنع قيام انتخابات حرّة ونزيهة، وفقاً لمرجعية القرار 1559، هي الجيوش الأجنبية والميليشيات المحلّية والأجنبيّة. من زاوية القرار 1559، إنّ اقتضاء الجلاء وسيلة لتمكين البلد من إجراء انتخابات جدّية. استبداد الوصاية السورية بالانتخابات الرئاسية أنعكس تسريعاً لهذا الجلاء، ما أتاح تنظيم انتخابات نيابية في 2005 خارج قيد الوصاية السوريّة المباشرة، الأمر الذي سمح بوصول أكثرية سياديّة واضحة إلى مجلس النوّاب.
ومن زاوية القرار 1559 فإن الشروع في حلّ معضلة السلاح الموازي للدولة، أو المتحكّم بها، أو الذي يفرض عليها تبدّل الفصول بين حرب وسلم على الجبهة، وبين تهدئة وتسخين في الداخل، هو أمر يصب كذلك الأمر في خانة تيسير السبل أمام العملية الديموقراطية.
وإذا كان الجلاء السوري الذي أقتضاه القرار 1559 أنعكس حصداً لأكثرية نيابية من لدن الأكثرية السياديّة، فإنّ الواقع اللبناني لم يتمكّن من وضع خارطة طريق لحل معضلة المعضلات، التي تتعلّق بالسلاح "المقاوماتي". مع ذلك فإن راهنية القرار 1559 عادت وتأكّدت هنا: فوفقاً لهذا القرار فإنّ تمكين اللبنانيين من تنظيم الانتخابات ومن الركون إلى نتائجها هو المعيار الأساسي الذي من شأنه رسم خارطة طريق ممّا من شأنه "تخفيف حدّة" الاستعصاء في مشكلة سلاح "حزب الله".
سلاح "حزب الله"
هذه المعادلة أوجدت فرصة لتغليب منطق التدرّج اللبنانيّ الهادئ في حل مشكلة سلاح "حزب الله". "الحلف الرباعيّ" في مناطق بعينها يقرأ ضمن هذا الإطار. فإذا كان القرار 1559 ينظر إلى الوجود العسكري الأجنبي، كما إلى الوجود الميليشياوي المحلّي أو غير المحلّي، انطلاقاً من مرتكز منشغل بضمان ديموقراطية الانتخابات، فإن دوراًَ إيجابياً لعبه "حزب الله" وقتها عندما أتاح للاستحقاق الانتخابي أن ينجز، وأباح للأكثرية السياديّة أن تتشكّل، في مقابل نيل حصّته النيابية كاملة ومشاركته لأوّل مرة في الحكومة اللبنانية بشكل رسمي، ومع ضوء أخضر أميركي نقلته نائب وزيرة الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط اليزابيت ديبل يومها إلى بيروت.
فعندما تكون معادلة السلاح قادرة على التعايش، ولو في سياق ظرفيّ، مع عملية انتخابية ديموقراطية، فإن منطق القرار 1559 ينحاز إلى منطق التدرّج في تحقيق حصرية سلاح الدولة على كامل أراضيها. وعندما تضع معادلة السلاح نفسها في تناقض ظاهر وواضح مع ديموقراطية الانتخابات، فإن منطق القرار 1559 يصير أكثر حزماً، لجهة عدم التسامح مع أي تعديل أمني قسري لإرادة الناس، وللنتائج العملية لهذه الإرادة من مثل توزيع المجلس النيابي والأكثرية المتشكّلة فيه.
إنقلاب
والحال أن "حزب الله" الذي سهّل تمرير الاستحقاق الانتخابي عام 2005 سرعان ما راح يتعرّض لنتائجه. وبمجرّد توقيع تفاهمه مع "التيار الوطنيّ الحرّ" اعتبر أن الأكثرية النيابية ما عادت هي الأكثرية الحقيقيّة. ثبت من يومها صلب منطق القرار 1559: القوى المسلّحة التي قد تتعايش في لحظة بعينها مع العملية الانتخابية في مقابل تأمين حصّتها بالتمام برلمانياً وحكومياً يمكنها أن تحوّل هذه الحصّة لاحقاً إلى أرضية للتعريض بالنتائج الكلّية للعملية الانتخابية، بدلاً من الانتظار أربع سنوات حتى الاستحقاق الذي يلي.
عادة ما تكون محاسبة الأكثرية النيابية بعد أربع سنوات على قيامها، وفي الانتخابات التالية. لكن ما حدث مع هذه الأكثرية أنّ الاستنزاف السياسي والأمنيّ طاولها بعد أشهر قليلة على قيامها، وتخلّل ذلك سنتان من إقفال باب المجلس النيابي أمامها. فكيف يمكن التوجّه بعد ذلك إلى الانتخابات من دون مراقبة دولية على أساس القرار 1559، بل مراقبة دولية تعطي ضمانات لجهة الاعتراف المتبادل بالنتائج أيّاً كان الفائز؟.