#adsense

عون وسوريا: تقلبات من “كسر رأس الأسد” إلى “ضابطه الصغير”

حجم الخط

عون وسوريا: تقلبات من "كسر رأس الأسد" إلى "ضابطه الصغير"

أثارت زيارة النائب ميشال عون، إلى سوريا الأربعاء الماضي جدلا واسع النطاق داخل لبنان وخارجه، حول تقلب مواقف عون تجاه الجارة سوريا من العداوة إلى الخصومة وأخيرا الصداقة، نقلا عن تحليل للصحفي ثائر عباس، نشرته صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية الخميس 4-12-2008.

وقال الجنرال عون في مؤتمر صحفي له في دمشق، عقب لقائه الرئيس السوري بشار الأسد، "ما كان يُعتقد أنه محرم أصبح حلالا وحلالا جدا"، مضيفا "نفتح صفحة جديدة لا مهزوم فيها ولا منتصر، إنما عودة لعلاقات طبيعية مرتكزها الانفتاح".

المراقبون لتقلبات عون صوب سوريا، رصدوا تصريحات قاسية للغاية بدرت منه في حق السوريين، تجاوزت "المحرمات"، ومنها تهديده ذات مرة بـ"تكسير رأس حافظ الأسد"، واستشهد آخرون برسالة ود سابقة أرسلها للأسد وصف فيها نفسه بـ"ضابط صغير" في الجيش السوري.

كان كلام عون عن سوريا قاسيًا جدًّا في خطاباته اليومية في القصر الجمهوري الذي فتحت أبوابه لمؤيديه. غير أنه لا يوجد ثمة اختلاف كبير بين المراقبين حول الهدف الرئيس للتكتيكات التي استخدمها عون خلال السنوات الماضية، وهو السعي وراء الصداقة مع سوريا، وهم يشيرون هنا إلى تحالف أبرم بين الجانبين في صفقة عام 2005 قضت بعودة عون إلى لبنان مقابل "إجهاض الحركة الاستقلالية" التي انطلقت قبيل اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتعاظمت من بعده.

أما عون – من جانبه- فيعتبر أنه عادى سوريا في لبنان، معتبرا أن مشكلته انتهت مع السوريين فور خروجهم من بلاده.

بدأت علاقة عون مع سوريا أواخر ولاية الرئيس أمين الجميل في الثمانينيات، عندما تصاعدت التصريحات عن هوية "الرئيس المقبل"، وكان طموح عون ظاهرًا لتولي هذا المنصب، وتتحدث عدة تقارير عن مساع بذلها عون لـ"التوافق" مع سوريا على ترشيحه للرئاسة، ولما فشلت المساعي تلقى عون "كرة الجمر" التي رفضها كثير من السياسيين اللبنانيين، وقبل بتولي رئاسة الحكومة العسكرية رغم استقالة نصف أعضائها فور تأليفها، ثم إطلاقه "حرب التحرير" ضد الوجود السوري في لبنان بعد فشل جولة محادثات بين الطرفين.

وكان كلام عون عن سوريا قاسيًا جدًّا في خطاباته اليومية في القصر الجمهوري الذي فتحت أبوابه لمؤيديه، وسمي آنذاك "قصر الشعب" – تسمية مشابهة للتسمية السورية للقصر الجمهوري- كما يلاحظ أحد السياسيين اللبنانيين.

تحدى عون سوريا وتوعدها مرارًا، لكن هذا لم يقفل باب الود مع الجارة اللدودة، ويقول رئيس حركة التغيير، المحامي ايلي محفوض، الذي كان من المقربين من عون قبل أن ينقلب عليه، إن الأخير بعث برسالة إلى الأسد يقول فيها "إنني عسكري، وبهذه الصفة فإنني أتمنى أن يعتبرني القائد الكبير حافظ الأسد ضابطًا صغيرًا في جيشه، وأقدر كل التقدير ما قدمته دمشق للبنان عامة وللمسيحيين خاصة، وواجبي إذا ما حظيت بتأييدها أن أردّ لها الجميل، إنني أتفهم مصالح سوريا في لبنان، وأسلم بأن أمن لبنان من أمن سوريا، ومن حق سوريا علينا أن نوفر لها أسباب الطمأنينة، وأن نشرع وجودها العسكري في لبنان لمواجهة أي اعتداء محتمل عليها، كذلك أنا مستعد لعقد أي اتفاقات أمنية، إضافة إلى تمتين العلاقات المميزة في المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية كلها".

ويتحدث محفوض عن "شبكة الموفدين المتعددة الأسماء والتي تبدأ سلسلتها بالوزيرين ألبير منصور ومحسن دلول، ولا تنتهي بصديق عون الشخصي المحامي فايز القزي، الذي تولى شخصيًّا معظم ترتيبات عودته الأخيرة من منفاه في باريس، كما تولى شخصيًّا وفي مرات عدة نقل رغبات وطلبات وتمنيات عون الرئاسية".

انتهت "حرب التحرير" مع بداية "حرب الإلغاء" التي نشبت بين عون و"القوات اللبنانية" في عام 1989، والتي نقل فيها عن نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام أن قلب سوريا مع عون "لأنها تعتبره خصما مرحليا، فيما تعتبر قائد "القوات" سمير جعجع خصما مبدئيا".

ويقول الإعلامي فارس خشان، الذي واكب تلك المرحلة وما تلاها حتى اليوم، إن عون لم يكن "في عمقه عدوًّا لسوريا، فهو خاض حرب الإلغاء بمعونات من سوريا، وما انفتاحه العسكري على القوميين السوريين وايلي حبيقة وحزب الله الذي بدأ منذ حرب الإلغاء سوى دليل إضافي على هذا".

دليل آخر على هذه العلاقة يورده النائب السابق فارس بويز الذي يتحدث في إحدى مقابلاته عن الإلحاح الذي مارسه الرئيس السابق الياس الهراوي لإطاحة عون عسكريًّا وعدم التجاوب السوري السريع معه، لكن هذا الأمر حصل لاحقا وأطيح بعون عسكريًّا بغطاء دولي-إقليمي، فانتهى به المطاف في فرنسا لاجئا سياسيا لمدة خمس سنوات مددت لاحقا حتى 15 سنة. ومن باريس لم تهدأ الاتصالات ولا المؤشرات.

في عام 1994 سألت صحيفة لبنانية عون "هل يحب دمشق"، فأجاب «ولوو…! لطالما غنيّت مع سعيد عقل وفيروز "سائليني يا شآم"، بغض النظر عن السياسة والدبلوماسية"، وأضاف "أنا عسكري، وطبيعة ثقافتي أن من تحاربه اليوم يجب أن تتفاوض معه غدًا، فإذا لا يوجد شيء ثابت، ولا كراهية عندي، ثمة خصومة سياسية صنعتها الظروف، كل ما أستطيع قوله هو إن يدنا ممدودة للخير، وفي اتجاهه".

عون برر في حديث آخر "تفاوت" خطابه حيال سوريا بين "العداء المطلق والإشارات الطيبة"، فقال "خطابي واحد موحّد، كل ما في الأمر أنني أتحدث مرة عن الثوابت وأخرى عن الممارسات، ولأن حديثنا اليوم هو عن الثوابت والمبادئ فإننا نتحدّث لغة مختلفة".

وكتب سلسلة من 12 مقالة سنة 2000 حملت عنوان "المآثر السورية في لبنان"، قال في إحداها "لقد اختبرنا النظام السوري في حال الاسترخاء، ولم يرد أن يعترف بأن في لبنان مشكلة، لذلك لم يرد أن يحاور، واستمر لاطمًا بيديه ورافسًا برجليه.. إن سوريا تعمل على تذويب الكيان اللبناني وضمه، ولا تزيح قيد أنملة عن هذا الهدف".

عون شارك في قانون "محاسبة سوريا"

عون صعّد لهجة العداء لسوريا وصولا إلى عام 2003؛ حيث لعب دورًا رئيسًا في إقرار قانون "محاسبة سوريا" في الكونغرس، وتتناقل وسائل الإعلام المؤيدة لقوى "14 آذار" نص الشهادة التي أدلى بها أمام الكونغرس الأميركي التي أبدى فيها الامتنان لرفع الكونغرس قانون "محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان"، وللحث على تمرير فوري لهذا المشروع ليصبح قانونًا، ورأى أن "هذا التشريع المنتظر هو حاسم؛ إذ إنه يقيم، وللمرة الأولى، سياسة واضحة للولايات المتحدة فيما يتعلق بالاحتلال السوري للبنان"، مشيرا إلى أنه "طوال سبعة وعشرين عاما، لعب النظام السوري دور ملهب النار ومطفئها، فلطالما أشعلت سوريا النيران لإعطاء نفسها الحجة لإطفائها فيما بعد، وهكذا تبرر استمرار احتلالها للبنان، وأي لبناني يتجرأ على التعرض أو مقاومة الهيمنة السورية تجري تصفيته".

وفي شهادته رأى أنه "لا يمكن للمرء منطقيا أن يفصل النظام السوري عن الإرهاب، فسوريا توفر ملاذًا آمنًا لعدد كبير من المنظمات الإرهابية، توجه عملياتها، وتستخدم لبنان المحتل كحقل رئيس لها للتدريب والعمليات".

المحامي فايز القزي سرد في سلسة أحاديث تلفزيونية وصحافية ما اعتبر أنه "كل أسرار العلاقة التي بدأت بواسطتي بين المخابرات السورية وبين العماد عون، وقال إن "زيارة عون لسوريا اكتملت من حيث المعنى المجازي، وكنتُ شاهدًا على الأمر، في تاريخ الـ27 من أيلول 2004 حين تمَّ الاتفاق بين عون والسوريين على عودته إلى لبنان، وعلى مظاهر العودة وما إلى ذلك، وعلى أثرها زار المسؤول في "التيار الوطني الحر" غابي عيسى، دمشق والتقى خدام".

ويقول قزي إنه عندما كان يزور دمشق كان يستشف الجو العام من خلال الطريقة التي يطرح فيها خدام السؤال عن عون، فإذا قال كيف حال "ميشو"، كنتُ أعرف أنَّ العلاقات سيئة جدًّا، أما إذا سماه "ميشال" فهذا يعني أنَّ العلاقات لا بأس بها، وإذا سماه "الجنرال" فهذا يعني أنَّ العلاقة جيدة، أما إذا سماه "الجنرال ميشال عون" فهذا يعني أنَّ العلاقة ممتازة.

 

المصدر:
وكالات

خبر عاجل