تشديد على استبعاد تغييرات على حساب لبنان ولا تأثيرات على المحكمة
تطمينات أميركية مركّزة في ضوء المخاوف من مقايضات
يحرص الديبلوماسيون الاميركيون في الادارة الحالية، ممن عملوا بجهد وكثب على مواكبة انتقال لبنان من مرحلة الوصاية السورية الى الاستقلال، على طمأنة اللبنانيين الى ان بلدهم لن يكون في عهد الادارة الاميركية الجديدة المنتخبة موضوع مقايضة في اي حال، وخصوصا على طاولة المفاوضات السورية – الاسرائيلية، باعتبارها الصفقة المثلى التي تحظى فيها سوريا باتفاق مع اسرائيل التي تسعى الى الاطمئنان الى سلامة حدودها مع لبنان بكفالة سورية من اجل الإمساك بورقة "حزب الله".
ولم يكفّ هؤلاء الديبلوماسيون عن ابداء طمأنتهم هذه في كل مناسبة خلال الاعوام الماضية مهدئين مخاوف اللبنانيين من اي حل في اي اتجاه يمكن ان يأتي على حسابهم.
كما يحرصون على الطمأنة راهنا الى ان الادارة الاميركية الجديدة ستواصل السياسة الحالية، على قاعدة ايمان الديموقراطيين والجمهوريين على حد سواء بما تحقق في لبنان.
الا ان الادارة الجديدة، في ضوء الرهانات على التغيير الذي برزت بعض عناوينه، ستكون معنية باعتماد اسلوب الطمأنة مع لبنان اكثر بكثير من الادارة الحالية. فعلى رغم الاحاطة الكبيرة للادارة الحالية بالوضع في لبنان، تظل الشكوك قائمة بسبب الانطباعات الراسخة عن البراغماتية الاميركية التي تتعاطى مع الخارج في ضوء مصالح واشنطن، وان لم يكن الشك هو في الاميركيين مباشرة فانه يرتكز على تطلعات اسرائيل الى ضمان امنها على حدودها مع لبنان، ثم ان المعطيات التي تتحدث عن مقاربة انفتاحية مع كل من طهران ودمشق مبنية على شروط محددة تنطوي في ذاتها على تفاصيل كثيرة غير معروفة ولا تمكن معرفتها من اليوم، فضلا عن ان تطور الامور يمكن ان يقود في اتجاهات لا يمكن التكهن بها.
وبحسب معطيات ديبلوماسية، يؤكد بعض المرشحين لشغل مناصب في الادارة المقبلة الطمأنة الى المقاربات الجديدة التي ستعتمد، اي ان الادارة الجديدة تعتقد انه لم يجر حوار كاف مع دمشق ولم يعط الحوار كل فرصة للنجاح من الادارة الحالية، على رغم ان الرئيس السابق للديبلوماسية الاميركية الجنرال كولن باول استنفد حوارا كان من دون جدوى وقيل يومها ان الولايات المتحدة كانت تطلب امورا من سوريا من دون ان تعطيها شيئا في المقابل. وستتجه الادارة الجديدة الى اعادة السفير الاميركي الى العاصمة السورية بعدما كانت سحبته منها اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005. وهذه الخطوة تندرج في خانة تسليف النظام السوري من اجل فتح حوار معه مبني على شروط عدة منها الانتقال الى مفاوضات مباشرة بين اسرائيل وسوريا ووقف الدعم لـ"حزب الله" وحركة "حماس" وفك الارتباط او التحالف مع ايران. والكلام على تحقيق هذه البنود او الشروط يبدو سهلا كخطة، علما ان الادارة الحالية حملت الشروط نفسها تقريبا، لكن العبرة تبقى في القدرة على تحصيل نتائج وتفادي اي خيارات جديدة في البازار الذي يمكن ان يحصل من اجل تحقيقها على طريقة "العصا والجزرة" التي اعتمدها الديموقراطيون في وقت سابق.
من هذه الزاوية يخشى المهتمون اللبنانيون اقحام بلدهم في اي بازار من هذا النوع فيكون هو "الجزرة". اذ ان تحقيق الامور المبدئية في الحوار الاميركي – السوري، وفق سلم الاولويات التي يتم تداولها راهنا، يمكن اعتباره اكثر من شاف بالنسبة الى حلول لامور كثيرة مرتبطة بوضع لبنان وطمأنته الى ان لا شيء يمكن ان يأتي على حسابه. ولدى هؤلاء المهتمين تجربة لا يعتبرونها ناجحة جدا في المقاربة التي اعتمدتها فرنسا مع سوريا، وخصوصا ان فرنسا اضطرت الى تذكير سوريا خلال زيارة الوفد الفرنسي اخيرا لدمشق بضرورة انجاز العلاقات الديبلوماسية مع لبنان قبل نهاية السنة تمهيدا للتوقيع الرمزي لاتفاق الشراكة بين سوريا والاتحاد الاوروبي، في حين قللت دمشق اهمية هذا التوقيع ولم تتردد في ابلاغ الوفد الفرنسي ان التأخير في تبادل السفراء بضعة اسابيع قد يكون واردا وانه ليس مشكلة، على رغم ادراك دمشق اصرار فرنسا على تحقيق هذا الانجاز قبل انتهاء رئاستها الدورية الحالية للاتحاد الاوروبي بعد اسابيع قليلة، مما يؤشر الى مدى الاخذ والرد اللذين سينشآن حتما من اجل تحقيق البنود او الشروط الاميركية وتعذر التكهن بنتائج حتى وان تكن النيات سليمة ازاء لبنان.
وفي هذا الاطار تفيد المعطيات الموثوق بها ان التطمينات التي قدمت الى المعنيين اللبنانيين الذين يطرحون اسئلة كثيرة تتعلق بمعرفة الاتجاهات العامة المتعلقة بالمنطقة، وتلك الخاصة والمرتبطة بلبنان ومحيطه تشمل امرين اساسيين: الاول انه لا يمكن في اي حال ان يكون لبنان ثمنا او ان يقدم في عرض مقايضة في اي ظرف، والآخر ان لا تراجع او اي تخل عن موضوع المحكمة الدولية.
وثمة عامل في غاية الاهمية يشدد عليه جميع المهتمين هو ضرورة استمرار عناية غالبية اللبنانيين بالدفاع عن حق لبنان في مواجهة هذه الاحتمالات. لذلك يبدو الحرص بالغا جدا على اجراء انتخابات لا تسمح لحلفاء سوريا بالفوز بالاكثرية النيابية، لئلا يفقد لبنان القدرة على التأثير في هذا الاتجاه من خلال ابراز اي لبنان يريد اللبنانيون في المرحلة المقبلة: لبنان المستمر في خيار استكمال مقومات السيادة والاستقلال او نقيض ذلك؟
