في ذكرى الحبر والدم
وطننا هو الوطن الاوحد في العالم، ربما، الذي تتنافس فيه ذكرى الشهداء مع ذكرى مرور الاعياد في تذكيير المواطنين فيه، بسنوات العمر التي تمر عليهم وأمامهم وهم ينتظرون، ودون ان يتمكنوا من معرفة ما إذا كانت الغلبة في التذكير هنا ستكون في النهاية من نصيب عقارب الزمن التي ترسم بطبيعتها التاريخ أم عقارب الموت التي نخشى ان تبقى ترسم بقساوتها ودمويتها الاحزان والآلام…
هي المرة الاولى، ربما، التي يشهد فيها وطن في زمن السلم والحضارة، كل هذا الكم الهائل من الاغتيالات المشؤومة، التي جمعت في المصير والاهداف، من خلال وحشيتها ودمويتها، ما بين حامل قلم وصاحب رأي وزعيم شعب ورافع راية وقائد جند وحامي علم…
هي المرة الاولى، ربما، التي يشهد فيها وطن في زمن السلام والامان، كل هذا الكم الكبير من الاعتداءات الملعونة، التي جرحت المشاعر وباعدت في تداعياتها ومقارباتها، ما بين أتباع دين وأمة وقادة قوم وحراس دم وأنصار وطن ورواد قضية…
هي المرة الاولى، ربما، التي يتسمر فيها وطن، في زمن الحركة والتطور، منتظراً في مكانه، بلا حراك وبهذا الشكل القاتل للآمال ودون ان يعرف ماذا ينتظر ولماذا ينتظر ولماذا عليه ان يبقى دائماً في وضع الواقف والمنتظر…
هي المرة الاولى، ربما، التي يحفر فيها وطن، في زمن البناء والعمران، في مكانه، بلا وعي، وبهذا الشكل الخانق للانفاس ودون ان يعلم ما اذا كان ما يحفره هو ممراً للعبور أم ممراً للقبور…
هي المرة الاولى، ربما، التي يدور فيها شعب، في زمن الاخطار والمسؤوليات، حول نفسه، بلا أفق وبهذا الشكل المحاصر للامنيات ودون ان يدرك ما اذا كان ما يفعله هو اجتهادا للخروج ام ضربا من الجنون…
هي المرة الاولى، ربما، التي يتساءل فيها الشهداء والاحياء معاً، في زمن التواصل والحياة، عن سر الارض التي عليها يعيشون وفيها يحتضنون ويدفنون… أهي مسعورة تستوردها دائماً الخلافات والانقسامات؟ ام هو قدر مشؤوم تبيحه الرغبة المستمرة في الهروب من الواقع والتعلق الدائم بالاوهام والمجهول؟
في ذكرى الحبر والدم، تحية الى روح الشهيد النائب جبران تويني والى كل الشهداء الذين سبقوه ورافقوه وتبعوه…
في ذكرى الحبر والدم، تحية خاصة الى النائب الكبير بثأره الحضاري وقلمه الوطني وتاريخه النضالي غسان تويني والى كل العاملين أسرة واحدة في صحيفة النهار…
في ذكرى الحبر والدم، تحية خاصة، وخاصة جداً، الى روح الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي لولا شهادته العابرة بآلامها وتداعياتها للاوطان والقارات والامم، لبقي السؤال عن العدالة والعقاب في لبنان، مسألة خارج اطار المتوقع والمنتظر، وخارج كل قواميس السياسة والوطن.