يا جبران: «ان الثورة تولد من رحم الاحزان»
اذا كان العمل ينقطع بالموت فإن «علم ما لا نعلم» يبدأ به.. وفي الاثر اننا نعمل ولا نعلم، وانكم تعلمون ولا تعملون!! فكيف الحال اذا عملتم ثم علمتم..
يا جبران القتل ليس قدراً، بل هي الشهادة القدر الجليل ولا يناله إلا من كان له اهل، وتعلم يا جبران.. كي همسوا في اذنك: «بيقتلوك»!! وكم جاءك من يحذرك وينهيك، ويحاول ثنيك عن صوتك الذي ما زال «يودي» وينادي: «دفاعاً عن لبنان العظيم».. كم نهوك عن عشق لبنان هذا!! كم خوفوك بالموت، وكم سبقك رجال قالوا: «ابالموت تخوفونني»؟! وكم مر قبلك رجال «آمنوا» بربهم، وآمنوا بأنهم على الحق ولم يخافوا في هذا الحق لومة لائم. كم خوفوك بـ «القتل»، خوفاً عليك او لفتاً لتهديد، او تحذيراً بتأكيد. كم ظنوا انهم سيوهنوا عزيمتك وكم كنت لا تبالي لانك ما هنت في حق وطنك، فلم تبال اوقعت على الموت ام وقع الموت عليك!!
يا جبران.. الحزن ليس قدراً ولا وطناً، والمؤمنون «يحزنون» والله يثبت ايمانهم وافئدتهم ويخاطبهم: «ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون».. إلا ان اقدار الرجال تقع على عاتقهم كالجبال، وانت كالموج اندفعت يافعاً بحثاً عن حق لبنان.. صاخباً بحكمة..
يا جبران: الحمقى وحدهم يظنون السلامة في ان تكون «جباناً»، والحمقى وحدهم يظنون انهم يحمون رؤوسهم بالجبن والتخاذل من القتل. فالموت آتيهم لا محالة، وما اعظم الفرق بين موت وموت يا جبران. انت مت في ساحة المعركة، شريفاً مناضلاً مخلصاً واعزل الا من جرأتك وايمانك. وقاتلك «جبان» لا بد آتيه موت جبان يليق بغدره وخبثه وجبنه..
الوطن ليس قدراً يا جبران، الوطن جزء من الايمان، نولد لا نختار اوطاننا، ولو قدر لك ولنا ان نختار من جديد وطناً لنا، لاخترنا لبنان، وانتم الرجال، والاحرار، تختاركم اوطانكم كأنكم قدرها، تخطون تاريخها وحياتها بدمائكم..
يا جبران: ذات ايار والسواد حالك والجمر يتهيأ لمد ألسنته في شوارعنا، جاءني وجهك ابيض وسيماً شاباً، شديد الشباب، تضحك وتشير الى فرح مقبل، وكان الجميع يركض لاحتضانك والسؤال عنك والسلام عليك، وانت مشتاق لنا والى الساحة وبلطف شديد تطالبنا بان لا نلمسك، لاننا اذا لمسناك حبسناك عن العودة الى حيث «مقامك»، قلت: هذا اليوم الذي ننتظره.. واشتد السواد وعصف اللهب إلا ان ما بعد الحريق رفع عن كاهلنا عبء الفراغ..
اصدقك يا جبران حيث انت، وما زال يقينك بلبنان يقيناً صافياً حقاً بعد اذ اصبحت «تعلم» وكنت قد امضيت عمرك تعمل لاجل لبنان.. أصدقك ايها الشهيد الذي واجه بلحمه الحي حتى آخر ذرة من جسده قدره في الشهادة من اجل وطنه، واصدق لبنان الذي صدقته واؤمن بلبنان الذي آمنت به، ونحاول جهد الطاقة ان نعمل من اجله، وحفاظاً على شرف دماء شهدائه.. يا جبران: اورثني استشهادك ثقل السؤال، وعاصفة الشك ومخاصمة اليقين في الايمان، وعاد استشهادك بعد ثلاث اعوام دهور ليصدقني الرؤيا، فشد عزمي في لحظات يأس حالكة.
نعدك يا جبران، لن نكل، اقلعنا عن هذه العادة السيئة من زمن بعيد، ولن نيأس، نعدك، لن نيأس فقد رجمنا اليأس بحجر الايمان السحري، وخلعنا عنا اثوابه منذ رأينا بأم اعيننا قدر رفيق الحريري الذي ارادوا له جحيم الحريق فأنجاه الله من لظى نيرانهم الى برد وسلام الشهادة..
الحزن ليس قدراً، القتل ليس قدراً، والندب على الشهداء ليس قدراً وهو من عجز العاجزين، ونحن لسنا بعاجزين ولا بقليلي الحيلة، وقدر الرجال ليس القتل اغتيالاً، لا ليس قدراً..
يا جبران: ارادوا ان يمحوا دمك بدم فرنسوا الحاج، اختاروا نفس التاريخ ليشرذموا الدماء بين الشعب وبين الجيش، فاجتمعت الدماء دفاقة في مجرى الوطن..
لعائلتك، لابيك الجليل، لسهام، لبناتك «نايلة وميشال» اللتين تثبتان ان الانثى امتداد ابيها لا الذكور فقط، لسهام الارملة الشابة، لصحبك واحبتك ورفاقك في النهار وصياح الديك..
لفرنسوا الحاج الجنرال الشهيد الذي لم يفر من المعركة بل خاضها حتى الاستشهاد لينضم الى رفاق السلاح، لشهيد لبنان وجيشه الذي كلل جبين لبنان بالنصر على الارهاب واربابه المتفرقين، والذين قد نحسبهم واحداً وقلوبهم شتى واهواؤهم شتى، لارملته، لاولاده، لابنه الشاب الذي يلمع في عينيه بريق الكرامة، لابنته التي تستعد لتكون عروساً في غياب ابيها، لجيش لبنان، ولشعب لبنان العظيم الف سلام..
لكن يا احبتنا، لك يا جبران قدر الاحرار في لبنان ان الثورة تولد من رحم الاحزان..