جبران… العزاء الآتي
بالامس قبل ان اتوجه الى القداس الذي اقيم في كنيسة مار متر في الاشرفية في الذكرى السنوية الثالثة لاستشهاد جبران، وفيما كان الناس يتجمعون امام الكنيسة سمعت سيدة تقول ما معناه انها عندما تنظر الى ما حصل في لبنان منذ ثلاثة اعوام ولغاية اليوم، فإنها تعتبر ان لبنان جبران استشهد بلا معنى، وذهب دمه هدرا…
طبعا كانت السيدة تتحسر على فقد جبران الانسان، والشاب، والمناضل، والمُلهم. ولكني توقفت عند كلامها لانني اسمع منذ اشهر طويلة من يقول ان جبران وقبله سمير قصير، وجورج حاوي، وباسل فليحان، واول الشهداء رفيق الحريري، ومن بعده بيار الجميل، ووليد عيدو، وانطوان غانم، وفرنسوا الحاج، ووسام عيد، كل هؤلاء ذهبت دماؤهم هدرا، وان شهادتهم لم يكن لها معنى، لان معركة الاستقلال لم تستكمل بعد، ولأن هناك اتجاها الى تأهيل القتلة سياسيا بصرف النظر عن مسؤوليتهم في قتل قادة استقلاليين في لبنان، وتصدير الارهاب في كل الاتجاهات في المشرق العربي. حتى ان بعض المحبطين ذهب الى القول ان المعركة انتهت في 7 ايار بانتصار حلفاء القتلة ومن ناصرهم في لبنان. لا بل ان وطنا يناصر نصفه قتلة نصفه الآخر وجلاديه لا يستحق ان يموت من اجله كبار من قماشة جبران تويني، ورفيق الحريري، ورفاقهما…
يحز في نفسي ان اسمع هذا الكلام، وانا من اكثر المصابين حرقة، وحزنا على جبران اولا، ثم على كل شهيد من شهداء الاستقلال الذين اشعر مثلما يشعر ملايين اللبنانيين في كل يوم بأن قطعة منهم اقتطعت بحد السكين. فمثلما ان النضال من اجل الوطن واهله ليس هباء، فإن الدم المُراق على طريق النضال ليس دما مهدورا. تماما كدماء كبار الشهداء في التاريخ. فهل اتى من يقول ان سيد الشهداء يسوع المسيح الذي مات ليقوم فيحيا الانسان، مات للاشيء؟ ام اتى من يقول ان سادات شهداء الاسلام ممن نشروا كلمة الله في اصقاع الارض، سالت دماءهم هدرا؟ اوحتى شهداء القضايا الوطنية اوالفكرية الكبرى من بدايات التاريخ الى يومنا هذا قد ناضلوا من اجل لا شيء؟ فهل تذكرون، على سبيل المثال، كيف تجرّع سقراط كأس السم لينتصر الفكر ببعده الانساني التاريخي على ظلامية كنسها التاريخ؟
جبران تويني ومعه شهداء الاستقلال يشبهون بشكل اوبآخر سقراط الذي امسك بالكأس وارتشف السم لكي لا يساوم. هكذا هم الشهداء، لا يساومون، ولا يتراجعون، تماما – مثلما قال بالامس سيادة المطران عوده – "كمن يمسك بالمحراث فلا يلتفت الى الوراء" ويمضون في طريقهم غير عابئين بتوافه الحياة الدنيا. ترتسم امامهم قضية كبرى فتجذبهم اليها ويأبون ان يقاوموها، لأن خطاهم تكون عاقلة اكثر مما يظن بعض الذين يصنفونهم احيانا بالمجانين.
بعد ثلاثة اعوام يمكنني القول واثقا وبحميمية، ان جبران آمن بخطى المسيح، وبموته، ثم بقيامته من بين الاموات. وفي كل خطوة خطاها منذ اختار النضال من اجل الوطن غازل جبران الموت، ودخل معه في لعبة مد وجزر، في رقصة تانغولا تنتهي. وكان اكثر العارفين بالثمن، وكان يطلب تسديده من اجل وطنه لبنان. فلوسمع جبران اليوم من يقول له ان حياته ذهبت هدرا لرفض القول، ولكان استعار من ابيه غسان تويني هذه الكلمات المشبعة حنانا دافقا، وقوة هادرة: "… لا عزاء لنا بعد… لكن العزاء آت لان ليس في التاريخ – ولا القدر – منطق اوناموس يسمح بأن تذهب شهادة سدى… فاصبر وانتظر في كنف الحب المؤمن الذي يدفئ غربتك، اعرف…".
في لبنان العزاء، عزاء جبران حيث هو، في صون الكيان، وسيادة الحرية، وانتصار قضية الاستقلال. فاصبر ايها اللبناني، وارفع رأسك عاليا فأنت ابن بلد مات لأجله جبران ورفاقه في انتفاضة الارز.