هل يريدون برلماناً لا ينتخبه أحدٌ؟
هناك في الأنظمة الديموقراطية، نسبياً أو عموماً، شيء مُتميّز اسمه الانتخابات. وفي هذه العمليات تعبير عن ممارسة الديموقراطية المباشرة، بحسب ما تنص عليها الدساتير والقوانين. والانتخابات مشتقة من "انتخبَ". ويعني فعل اختيار من ينوب عن مجموعة أو هيئة وصولاً الى الشعب انطلاقاً من إرادة مكوّنات المجتمع، النقابية أو السياسية أو الاجتماعية أو الحزبية او حتى العائلية. ولكي يكون الانتخاب انتخاباً، يجب أن يتم بطريقة تتيح لكل فرد توفرت لديه المواصفات المطلوبة أن يدلي بصوته. أي يعبر عن رأيه. أي أن يحاول جعل رأيه، ضمن مجموعة، عنصراً فاعلاً، وحضوراً قانونياً. هذا ما يحصل في كل القطاعات. وإذا حدث ما يناقض هذه التوجهات، من تدخلات أو تزوير، أو منع أو ضغط، تبطل كل العملية. هكذا بكل بساطة، تكون النتائج باطلة، والهيئات المنتخبة غير شرعية، ولا تمثل الواقع.
هذا في الأنظمة الديموقراطية. أما في الأنظمة الدكتاتورية وفي أحضان هذا الأخ الأكبر أو ذاك الأصغر أو هذا القائد البطل (بدون بطولة طبعاً)، والمخابراتية، والعسكرية، والتوتاليتارية، تكون هناك انتخابات مُشرفة جداً، وساطعة كنور الدكتاتور، لكنها انتخابات ينتخب فيها هذا الدكتاتور (أو الطاغية) الشعب. وليس العكس. (أي الشعب ينتخب الدكتاتور). وهذا ما يحصل عندنا في أنظمتنا المولودة في المصحات، وفي صالونات "الدبابات"، وغرف الأجهزة، وقصور "الشعب"!
إذاً عندنا في النظام العربي انتخابات لكنها تسمى أحياناً "المبايعة" أو "الإجماع" أو الاستفتاء، والنتائج فيها جاهزة ومعروفة ومضمونة وبلا تنافس. وصناديق الاقتراع توضع مليئة وتخرج فارغة: القائد البطل، أو الرئيس المفدى، (وعادة يكون من صُنّاع الهزائم وصنائعها) هو الذي ينتخب، ويصوّت، وهو يعلن النتيجة، وهو الذي يعين مجالس الشعب أو البرلمانات، وتالياً هو الذي ينتخب الشعبَ بملايينه. فيصير الشعب هو القائد. والبرلمان هو القائد. والحكومة هي القائد: صور بصور. صورة القائد تشبه صورة الحكومة. تصبح صورة الجيش. تصبح صورة البرلمان. وعندها يكون من الطبيعي جداً أن ينتخب القائد نفسه بـ99,99 في المئة، وأن يصوت لنفسه بدل أن يصوت له 99,99 في المئة. وهكذا تتم البيعة. على صعيد البرلمان، والأحزاب، والنقابات، والمهن الحرة، والطلاب، والمومسات، والفرق الرياضية، والكشفية، والمصرفية: الرئيس رئيس، بالإرادة الشعبية "الصافية"، لكل هذه الهيئات 99,99 في المئة. وما دام القائد العبقري انتخب نفسه، نيابة عن الجميع، رئيساً على كل شيء، فمن الطبيعي جداً أن يكون هو "المرشد" الفكري، والروحي، والمادي لكل شيء. فإذا فاز فريق كرة قدم بمباراة أو ببطولة، فالفوز ليس للفريق، بل للرئيس، فهو الذي، بحكمته وبُعد نظره، إنتخب وقاد منتخب بلاده الى النصر. وإذا نجحت مسرحية لمخرج أو لكاتب كبير، فالنجاح يتم بفضل موهبة القائد: فلولا "روحه المبثوثة"، وعبقريته الفذة، وحسن توقعاته، وقوة بصيرته، لما نجحت هذه المسرحية، أو استطراداً هذه القصيدة…أو ذلك المسلسل التلفزيوني… أو الفيلم السينمائي! فهو لا ينتخب الشعبَ فقط بل هو الذي ينتخب الإبداع وينتدب الخلق. وعلى هذا الأساس، فالتهانئ يجب أن تتوجه إليه. وآيات الشكر يجب أن تغمره من منخاره الى أخمص قدميه الى نياشينه (المزيفة)… وفي هذا الإطار يمكن أن يُستغنى أحياناً حتى عن الانتخابات ثم تعلن نتائج الانتخابات (أي انتخاب). ويمكن ألا يصوّت أحد ثم تعلن نسبة 99,99 من المصوتين. ويمكن ألا يترشح أحد الى هذا المنصب، أو الموقع، ثم تعلن نتائج الفائزين بالأرقام… وربما بالصورة! فهذه من المسائل البديهية التي يجب ألاّ يرقى إليها شك، أو تشوبها ريبةٌ… وعندها تكون الطامة الكبرى!
ولهذا فمن الطبيعي جداً أن تحصل في عالمنا العربي انتخابات من دون أن تحصل. وألا تحصل انتخابات وقد حصلت، ومن الطبيعي جداً أن يُمدّد للقائد "من الأبد الى الأبد"، من دون أن يمدد له، ثم لا يمدد ويمدد له. فمثل هذه الأمور يخضع لجدلية السلطة والقائد، والنظام والعائلة، والدولة والطائفة، والشعب والمخابرات: جدلية من طرف واحد. تجادل نفسها من دون أن تجادل نفسها. ثم لا تجادل نفسها وهي توحي أنها تجادل الواقع… والتاريخ والجغرافيا! فالانتخابات تعني أن يذهب واحد وينتخب نيابة عن الجميع، ليكون هناك نواب مثلاً. وهؤلاء يخرجون من أكمام القائد ومن جيوبه. ويلمعون بأزراره وينتصبون على خوذ عسكره، ويتمرأون بمناظير مخابراته، وهذا شيء طبيعي! وهنا لا يعود من فارق بين انتخابات هيئات نيابية (أو نقابة..) وبين انتخاب المساجين، مساجين السياسة والفكر والرأي والإعلام والأحزاب. فكل هؤلاء ينتخبهم "القائد" نيابة عن القضاء والمحكمة. ليكون مكانهم "السعيد" والمناسب في السجن. فالذي ينتخب مجلس الشعب برمته من أقصى البلاد الى أقصاها، وينتخب مجالس البلديات، والنقابات، من الطبيعي أيضاً أن ينتخب بنفسه "مساجينه" ومعتقليه بطريقة مشرّفة وشفافة ووطنية وضمن "شرعة" حقوق الإنسان… والحزب، والعائلة، والله، والإيديولوجيا… والعدالة… والقانون (فهذه كلها بالنسبة الى القائد خلطة من خلائطه المبدعة!). ولأن القائد البطل ينتخب كل شيء حتى المساجين… فهو ينتخب من يشاء من الأفراد والجماعات… وصولاً الى الخونة. فالخائن كالنائب كالوزير كرئيس البلدية، كالمحافظ، كالمختار، كالضابط… ينتخبه القائد "عميلاً" أو خائناً بكل "الديموقراطية" المتاحة، باعتبار أن القائد هو الذي اختار "الديموقراطية" ثم الحرية ثم حرية الشعب ثم الوطن نفسه. فالقائد البطل هو الذي يختار الوطن، وليس العكس.
هذا يحصل في أنظمتنا العربية كل يوم، ونطالعه بشكل طبيعي وبديهي كما نطالع نشرة الأحوال الجوية، والبورصة، ونتائج فحص البول والدم… وأسعار الخضر واللحوم!
أما إذا طلعت أصوات منتقدة من هنا وهناك، مطالبة بالديموقراطية، وبفصل السلطات، واحترام حقوق الإنسان، وحياة الفرد وحقوقه… فهذه هي الطامة الكبرى! وعندها يكون "المشككون" متآمرين على "وحدة الأرض والشعب" وعملاء للخارج… وكلاباً ضالّة ولصوصاً… وخونة يستحقون الإعدام والقتل والسحق والسحل والنفي والسجن والتعذيب والأقبية المظلمة… والآلات الجهنمية! وعندها يمكن، وفي هذه المعمعة، أن يفلسف "القائد البطل" (وقادتنا الأبطال فلاسفة لكن أُميّون، وعباقرة لكن جَهَلة لم يقرأوا مقالة، قصيدة أو كتاباً لا في حياتهم الراهنة ولا في حيواتهم المديدة) ويفلسف الديموقراطية، فيعلن بفرمان (وقد يكون عنده من يفتي أو يبرر أيضاً) أن هؤلاء المشككين يتآمرون على "ديموقراطيته" الشعبية بمطالبتهم بديموقراطية مستوردة لا تتفق وعادات "شعبه" ولا قيمه ولا شيمه ولا كبريائه! ولا تاريخه المجيد. وهي ديموقراطيات غربية تشوه الهوية والانتماء… والانتساب وقد تتسبب إذا ما طبقت بزرع الفتنة، والتقسيم، والحروب والجرائم المنظمة وصولاً الى الهزائم العسكرية والاقتصادية!
هذا ما يحدث عندنا، في أنظمتنا العربية (المشروط بقاء بعضها بقبول الهزيمة!)، وهذا ما كان يحدث عندنا في لبنان، عندما كان النظام الشقيق (الآنف الذكر مع أمثاله من الأنظمة)، على امتداد الوصايات المتتابعة، خصوصاً في العقدين الأخيرين..
فالانتخابات النيابية اللبنانية لكي تكون انتخابات ولبنانية فعلاً، ونيابية فعلاً، وشعبية فعلاً، وديموقراطية فعلاً، يجب أن ينتخبها نظام الوصاية: ينتخبُ الانتخابات: ثم ينتخب الشعبَ الشقيقَ، وتالياً ينتخب المجلسَ النيابي: أو على الأقل يفرد "لودائعه" في اللوائح المكان الأنسب لتكون عَسَسَه في المجلس. وأياً تكن صورة المجلس "المنتخب"، فيجب في النهاية أن تكون على صورة الوصاية نفسها. وإذا كانت الوصاية الشقيقة تنتخب بنفسها البرلمان اللبناني الشقيق، فمن الطبيعي جداً أن تنتخب، أو تعين أيضاً الحكومةَ الشقيقة: فالنظام الشقيق يعني الحكومة الشقيقة. وإذا كان النظام الشقيق (الذي ينتخب شعبَه وبرلمانَه وليس العكس، قد انتخب البرلمان والحكومة فمن الطبيعي أن ينتخب أو يعين بنفسه (عبر البرلمان الذي انتخبه) رئيسَ الجمهورية. فالنظام الشقيق ينتخب رئيس الجمهورية الشقيق. وعليه فهو ينتخب أيضاً النقابات بعد أن يشرذمها. وينتخب الهيئات (وربما العائلات) بعدما يمزقها؛ وهو يحصن "المجتمع المدني" بتدمير أدواته… ليكون على صورة المجتمع الذي "صنعه" عنده بلا أدوات… ولا أحزاب ولا حركات: مجتمع عائم على قمع النظام أو أكثر من نظام!
وهكذا، يكون لنظام الوصاية (وصار عندنا بحمده تعالى وصايتان والحبل على الجرّار) أن ينتخب بنفسه الحروب "مع العدو"! وهو الذي ينتخب المقاومةَ ولو على أرض محرّرة… لينتخبَ اللامقاومةَ على أرض محتلة عنده! (فيا لدهائه الاستراتيجي وممانعته الشامخة) وهذا لعمري من بدائع الزمان! وهو الذي ينتخب الاقتصاد أيضاً. والنظام الشقيق الذي أفرغ خزائن بلاده، وأفشل كل الخطط الاقتصادية، وأوقع أهله في الفقر والعوز.. ها هو ينتخب بمحبة أخوية عالية ونادرة الاقتصادَ الشقيقَ، ويتدخل في المصارف والبنوك… وصولاً الى المرافق والمرافئ والمشاريع!
كل هذا يتم بطريقة "شقيقية" و"عائلية" عروبية لا غبار على ديموقراطيتها وشرعيتها، باعتبار أن النظام الشقيق (نظام القائد الأوحد!) هو الذي "انتخب" نظامَنا أو انتخب نظامَه الخاص وألصقه بنظامنا السياسي، ليكون عندنا نظامٌ شكلي هو النظام الذي أراده الناس، ونظام فعلي فرضه الوصي بمسار ضمن مسارين، ومسارين ضمن مسار، ومسار في مسار! ثم بمسار بلا مسار تظنهما مسارين وأكثر!
لكن هذه "الاستراتيجية المحبّة" (من الوريد الى الوريد) اضطربت، وانقلبت على "صانعيها" عندما تفجرت ثورة الأرز: انتزعت من الوصاية مفاتيحها. فخرج من خرج منها. وتبقى من تبقى. ومع هذا عاد الشعب وفي الانتخابات النيابية الأخيرة لينتخب نوابَه كما تقضي الديموقراطية المباشرة.
وكانت الأكثرية. وكانت حكومة أكثرية. وبرلمان أكثري. فيا للهول! كيف يجرؤ الشعب اللبناني على انتخاب نفسه، وانتخاب سلطاته: إذاً هذه الأكثرية عميلة! وتحديداً لإسرائيل وأميركا وأوروبا والصين واليابان ولمصر وللخليج وللسعودية ولتونس وحتى للجزائر ولجزر الماوماو والأفلاك والكواكب. عميلة في دنياها وفي آخرتها! وهنا يصرخ أهل النظام الشقيق المضروب بنظام "شقيق" أعجمي: شقيقان في العروبة وفي الإيمان (ومن لف لفهما ودار دوائرهما): لن نسمح أن تتكرر هذه المؤامرة: فهذه الأكثرية وهمية لأن الشعب انتخبها ولم ينتخبها لا أرباب النظام الشقيق ولا أرباب النظام الساساني الفارسي! ولتزلزل الأرض زلزالها: ولنقلب بالقوة ما قرره الشعب: في الشارع! فليحرق الشارع! ولنرسل شاكر العبسي ويجرب انقلاباً وتقسيماً وحروباً! (وفشل العبسي). ولنجرب الاغتيال: والقتل والترهيب والإرهاب: فلعل الأكثرية المجرمة الضالة ترعوي! إذاً فلنغزُ بيروت ونحتلها فلعل الأكثرية ترتعش بأصواتها ورموزها وناسها، ونسيطر على الحيطان فنشك فيها أعلامنا المظفرة… لكن لم يتجاوز أهل المنقلبات الجدران: فالقلوب والعقول ازدادت شراسة ضدهم! إذاً وبعد فشل: فلنقبل باتفاق الدوحة، والحوار… ثم ننسفهما ربحاً للوقت. لكن خسروا الوقت: انتصار 14 آذار في أكثرية الهيئات الطالبية والاجتماعية والنقابية أرعبهم! إذاً فلنضع خطة مزدوجة: إذا عرفنا أن الانتخابات النيابية لن تكون في مصلحتنا فلنفجر الأوضاع ويمكن أن نخترع أي شاكر عبسي آخر (بعد روايات عن سجنه أو قتله كالعادة يا أم سعادة!)، ويمكن أن نعود (بتواطؤ مع حلفائنا العروبيين والإيمانيين بالاغتيالات)… وإذا عرفنا أننا قد ننجح فهناك خطة لتشويه الإرادة الشعبية لنضاعف النصر الإلهي… والعروبي والممانع والمفاوض بكل شرف العدو الإسرائيلي… والمستكبر الأميركي!: ويا لفرحتنا، فأميركا قد تنحاز إلينا وتترك 14 آذار… وعندها تكون أميركا أميركا العظيمة كما كانت في منتصف السبعينات حتى العام 2000). وعلى هذا الأساس سيكون لما يسمى المعارضة أن ترفض مبادرة كارتر لمراقبة الانتخابات وتتحفظ عليها… باعتبارها تدخلاً في الشؤون الشقيقة. مع الإصرار على أن الشقيقتين يجب أن تتدخلا في الشؤون الشقيقة اللبنانية، فمراقبة الانتخابات قد يكشف ما يبيتونه، وما قد يظهرونه! وهم كالعادة لا يريدون شهوداً تماماً كما في التحقيقات لكشف قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر شهداء ثورة الأرز. يريدون أن يقتلوا بلا شهود… وأن يُزَوّروا الانتخابات بلا شهود! فهذه عادتهم: فالاستبداديون يكرهون الشهود لأنهم الضوء الكشاف لجرائمهم وانتهاكاتهم، ويكرهون أن يُراقَبوا لأن الرقابة تُحدّد مساراتهم ومؤامراتهم! إذاً بلا شهود فلنستفرس اللبنانيين والانتخابات بلا شهود، وعندها تكون النتائج بمثابة انقلاب شرعي، ويعود كل شيء الى سابق عهوده "الذهبية"، الوصاية الشقيقة تنتخب الشعبَ الشقيق، الوصاية الشقيقة تنتخب البرلمانَ الشقيق، الوصاية الشقيقة تنتخب الحكومة الشقيقة، ثم رئيس الجمهورية ثم الحاشيةَ ثم الجيشَ فالاقتصاد فقراراتِ الحرب والسلم… والنقابات والأحزاب والجمعيات… وهكذا تعود "حليمة الى عاداتها القديمة"، وتعود الوصاية بصيغة المُثنى أو المُفرد (من يدري مصير التحالفات) لتغير النظام والكيان وربما الحدود والسلطة… والجغرافيا!
إنه الخراب العميم. فهل سيحصل؟ وهل سينجح مندوبو الخراب ووكلاؤه الحصريون في تدمير الحلم الاستقلالي، والسيادة وكل ما أنجز على امتداد أربع سنوات!
نظن أن الفشل الصاعق ينتظرهم هذه المرة! ليس من جانب واحد وإنما من كل الجوانب. وليس من هزيمة واحدة… بل من كل منقلباتهم!
فقولوا إنشاء الله!