مرحلة الاسترخاء السياسي تنتظر بدء عمل المحكمة الدولية واستحقاق الانتخابات النيابية
دمشق تبدي تعاوناً ظاهرياً لمساعدة لبنان وتتدخل في الخفاء لتسخين الواقع السياسي
ترى مصادر سياسية بارزة أن مرحلة الاسترخاء السياسي التي تظلل لبنان حالياً، مرشحة للاستمرار في الايام القليلة المقبلة على الاقل، على أن تبدأ في التلاشي التدريجي، مع اقتراب موعد بدء المحكمة الدولية لمحاكمة مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري بعد ثلاثة اشهر تقريباً، وحلول موعد الانتخابات النيابية المقبلة، التي بدأت التحضيرات لخوضها منذ الآن، مترافقة مع مؤشرات تدخل سوري ملحوظ بمجرياتها منذ اليوم، لتوفير كل مستلزمات فوز أكبر عدد من مرشحي النظام السوري فيها، تمهيداً للتأثير السوري في مجريات القرار السياسي اللبناني وملاقاة تداعيات المحكمة الدولية على المتهمين الواردة اسماؤهم في تقارير لجنة التحقيق الدولية·
وتستبعد المصادر المذكورة حدوث تصعيد سياسي غير مرتقب قبل حلول موعد هذين الاستحقاقين المهمين، باستثناء الحركة السياسية المعهودة بين الاطراف المعنيين في هذه المرحلة، التي تشهد ايضاً حالة انتظار مماثلة من الاطراف الاقليميين المؤثرين، لحين تسلم الادارة الاميركية الجديدة لمهماتها الدستورية بعد حوالى الشهر تقريباً، لجس نبض تعاطيها مع ازمات المنطقة الحساسة، وكيفية تعاملها مع الدول على اختلافها، إلا إذا حدثت تطورات استثنائية خلال فترة التسلم والتسليم بين الادارة الاميركية الحالية والادارة الجديدة، لاستغلال الوقت الضائع الفاصل من قبل اسرائيل للقيام بعدوان واسع النطاق على قطاع غزة مثلاً، او التحرك العسكري لضرب المفاعلات النووية الايرانية، كما يتردد في العديد من الصحف ووسائل الاعلام الغربية من وقت لآخر، وما يمكن ان يؤدي اليه اي عمل عسكري من هذا القبيل، من تداعيات سلبية قد تؤثر على لبنان بشكل او بآخر، كما على العديد من دول المنطقة ايضاً، مع ان سلوك هذا الخيار يبقى صعباً في ظل الظروف الاقليمية والدولية المعقدة، ولكنه ليس خياراً مستبعداً بالمطلق·
وتلفت المصادر السياسية البارزة، ان جوهر الحركة السياسية التي بدأتها العاصمة السورية منذ مدة باتجاه بعض الاطراف السياسيين اللبنانيين، تأتي في صلب السياسة التي يعتمدها النظام السوري للتدخل بأقسى إمكاناته ومؤثراته السياسية والامنية وغيرها، لترجيح كفة المرشحين الموالين له، في هذه الانتخابات، وبذل كل ما يمكن من جهود متوفرة له، لمنع تكرار فوز تحالف قوى 14 آذار بالأغلبية التي يملكها اليوم في المجلس النيابي الحالي، وذلك لقطع الطريق نهائياً على تفلت القرار السياسي الداخلي اللبناني من هيمنة السياسة السورية في المرحلة المقبلة، واستغلال هذا الواقع الجديد في الدخول بمقايضة سورية مع الولايات المتحدة والغرب عموماً، أولاً في ملف المحكمة الدولية التي تؤرق النظام السوري وتقض مضاجع كبار المتهمين الواردة اسماؤهم في التورط بجريمة الاغتيال الارهابية، ومن ثم سائر ازمات المنطقة في جنوب لبنان والعراق وفلسطين وملف المفاوضات السورية الاسرائيلية الذي قطع شوطاً لا بأس به في اتجاه التفاهم النهائي لبدء مفاوضات مباشرة بين الجانبين السوري والاسرائيلي مع تسلم الادارة الاميركية لمهماتها رسمياً، وتشير المصادر السياسية الى ان النظام السوري الذي تعهد امام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي ببذل ما يمكن لمساعدة لبنان على تخطي ازمته الداخلية، بدءاً بتسهيل انتخابات رئيس جديد للجمهورية وتأليف حكومة وحدة وطنية، مقابل اعادة الانفتاح الفرنسي والغربي عموماً عليه كان يفتعل الازمة من خلال الاطراف التابعين له في الداخل في الوقت ذاته، يلعب دور من يساعد على الحل ويساهم في تفكيك العقد وتذليل الصعوبات، كما كان يفعل طوال السنوات الثلاثين الذي سيطر فيها بجيشه على لبنان·
وهذا الدور لم يعد ينطلي على احد وأصبح مكشوفاً على الجميع، لا سيما بعد التعهد الظاهري بالتعاون والمساعدة على حل كل المشاكل العالقة بين لبنان وسوريا، بدءاً من إقامة العلاقات الديبلوماسية وترسيم الحدود ووقف تهريب السلاح وغير ذلك، ولكن في الوقت نفسه، يستمر النظام في تغذية الصراع السياسي الداخلي، والتدخل في الشؤون الداخلية اللبنانية من خلال الدعم السياسي لأطراف معنيين، لإبقاء الوضع الداخلي اللبناني بشكل أو بآخر، على القرارات السياسية التي تتخذها السلطة السياسية اللبنانية وخصوصاً ما يتعلق بإرساء علاقة متوازنة مع سوريا خلافاً لما كانت عليه العلاقات طوال العقود الماضية·
وتضيف المصادر السياسية البارزة حركة الدعوات التي وجهها النظام السوري لعدد من الشخصيات والمسؤولين اللبنانيين لزيارة العاصمة السورية، في خانة محاولة النظام السوري، تكرار أسلوب الاستدعاءات السابق مع الشخصيات اللبنانية تحت واجهة الدعوات ظاهرياً هذه المرة لتفادي الانتقادات والملامة اللبنانية والغربية على حد سواء، ولكن في الواقع لإظهار قدرته على استقطاب هذه الشخصيات الى جانبه، بالرغم من حالة الخصومة القائمة بينه وبين شرائح سياسية لبنانية كبيرة وفي ظل حالة مقاطعة غربية شبه كاملة تقريباً، ولممارسة أقسى قدر من الضغوط أو الاغراءات بمناصب مرتقبة او مواقع سياسية لاستمالة المترددين او الحياديين على الاقل، ولاحداث ما يمكن من ارباكات في الداخل اللبناني·
وتعتبر المصادر السياسية ان حركة التدخل السوري في التحضيرات الجارية للانتخابات النيابية لم تعد خافية على احد، بل ان اولى مظاهرها تمثلت بتسخين الساحة المسيحية بعد الزيارة التي قام بها النائب ميشال عون الى سوريا، وهو ما ينذر بتفاعل هذه الزيارة مستقبلاً، والزيارات التي تتبعها، على الواقع السياسي العام مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية، وهذا ما بدأت تظهر بوادره تباعاً لدى اطراف سياسيين آخرين·