ديبلوماسية سليمان المتوازنة تعيد الاعتبار الى الرئاسة الأولى
يكشف الواقع الذي تعيشه رئاسة الجمهورية اليوم، وبمنطق لا يقبل الشك، التحول الكبير في الموقع الأول في الدولة اللبنانية، مع انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساًً للبلاد، بعد فراغ قسري دام ستة أشهر أتى نتيجة التعطيل المقصود الذي مارسه البعض وبعد أن تربع في القصر رئيس أقل ما يقال فيه أن لا همّ له سوى تنفيذ تعليمات القيادة العليا المتمركزة في قصر المهاجرين.
وواقع الحال يقول ان ما استطاع الرئيس سليمان القيام به منذ أشهر معدودة في رئاسة الجمهورية لم يكن سوى محاولة لإعادة الهيبة الى هذا الموقع، لأن سلفه اميل لحود جعل من قصر بعبدا منبراً للحاقدين على الوطن وسيادته بدل أن يكون مسرحاً للبنانيين جميعاً وهذا الدور الفعلي الذي ينتظره كل لبناني من الرئيس العتيد، وأكثر من ذلك لم يكن في بعبدا من يدافع عن الوطن بل مجرد مستشرسين في التصدي للطروحات الاستقلالية، وحالمين بعودة أوصياء أقربين تركوا ملك التمديد وحيداً لا حول له ولا قوة سوى تلقي التعليمات والتكتيكات لمواجهة موجة الحرية والسيادة التي عصفت بالبلاد نتيجة لممارسته هو وأسياده.
ومن المضحك أن نحاول المقارنة بين العهدين، بل ظلم لرئاسة الجمهورية اليوم ان نذكرها بتلك الحقبة، لأن كرسي بعبدا خرج من الاستزلام ليعود الى الوطن والى قراره السيد الحر المستقل بعيداً عن الأنانيات والمحسوبيات.
وعلى طريقة "تنذكر كرمال ما تنعاد"، نذكر زيارة الرئيس لحود الى نيويورك للمشاركة في اجتماع الأمم المتحدة، والمتابع لواقع المشاركة اللحودية آنذاك آلمه تجاهل المجتمع الدولي لمشاركة رئيس لبنان في هذه القمة، في حين كان الرئيس سليمان حاضراً بقوة في مؤتمر حوار الأديان الذي انعقد أخيراً وما أطلقه من مواقف أعادت الى المشاركين كما الى اللبنانيين ذاكرة كادت ظلامية العهد الأسود ان تمحوها.
الرئيس سليمان اليوم يوطد أو بالأحرى يعيد توطيد أواصر العلاقة مع المجتمع الدولي والعربي على السواء من مصر الى السعودية وأميركا وألمانيا وحتى سوريا وإيران، في حين كان يكفي سلفه التبرك من قصر المهاجرين. فبنظر لحود المتعمق في السياسة والمدرك تماماً لمصلحة البلد أن قيامة لبنان تأتي من الشام وأبناء الوطن ليسوا سوى لاجئين قدرهم العودة الى حضن "الشقيق الأكبر".
لا يرى النائب أكرم شهيب إمكانية المقارنة بين لحود وسليمان، بل أكثر من ذلك فهو يعتبر انه من "الظلم ان نقارن بين الرجلين فلحود هو رجل الاستخبارات السورية الأول في لبنان، أما سليمان فهو رجل الوفاق ولم تبق دولة إلا وهنأته على دوره في قيادة سفينة لبنان في هذا الظرف الصعب الذي يعيشه البلد".
ويكمل شهيب: "ذاك (أي لحود) أغلق عليه لأنه صنيعة السوري وهذا (أي سليمان) فتح له لأنه توافقي وأتى بإرادة كل اللبنانيين"، ويشير الى أن "هذا الانفتاح الدولي قابله سليمان بحيوية كبيرة ميزت أداءه وأبرز دليل على هذا ما حصل في جلسة الامم المتحدة والدور الذي لعبه لبنان بين الأمم حين دعا الرئيس كي يكون لبنان ساحة للحوار بين الأديان في وقت نحن بأمس الحاجة فيه الى هذا الحوار والتواصل بين الحضارات".
بنظره أن من "يؤمن بدور لبنان في محيطه وفي العالم أجمع يدرك تماماً أهمية ما يقوم به الرئيس سليمان في الوقت الحاضر من تواصل مع المجتمع الدولي يعيد لبنان الى الواجهة، بعد عهد لحود الذي احترف تدمير موقع الرئاسة وإفراغها من رمزيتها الوطنية وسهّل بالتمديد المشؤوم لواقع أليم عاشه لبنان من اغتيالات وانفجارات أنتجت ثورة الأرز، هو يرمز الى تاريخ أسود للنسيان فقط لا غير".
يستذكر النائب سمير فرنجية قول أحدهم "إن لحود رجل قوي"، ويسأل: "كيف يكون لحود رجلاً قوياً إذا لم يكن هناك دولة تعترف به وهو مرفوض من شعبه، في حين ان الرئيس سليمان حكم ومرجع وممثل للشعب اللبناني بجميع أطيافه؟". ويضيف: "سليمان حصل على تأييد استثنائي عربياً ودولياً ويمارس دوره كحكم في لحظة تجاذب كبير واستثنائي، وهو محافظ على شيء لم يقدر أن يحافظ عليه الرؤساء الأقوياء هو وحدة البلد، فسليمان ليس وريثاً لنهج الرؤساء الأقوياء والذين انتهت عهودهم الى كوارث".
اما لحود وبحسب فرنجية "فالدول تعاطت معه كأنها تتعاطى مع وكيل سوري وفي مرحلة التمديد قطعت هذا التعاطي بالمطلق". ويشير الى أن "زيارات سليمان اليوم وحضوره في المحافل الدولية ما هو إلا إعادة اعتبار لفكرة الدولة".