"مسلمين ومسيحيين إلى أبد الآبدين"
افتتاحية عميد الصحافة الاستاذ غسان تويني في النهار بالأمس سكبت في ذكرى شهيد الشباب جبران تويني معصرات ديمة من سماء الجلال جلال أبوي حمل وقار التجربة ونداء الغد في ربيع الإيمان وإرادة الخروج من غار ما استحوذ على ساحتنا من أوهام الاستقلال وأحلام التدافع الطائفي ثم المذهبي أخيراً.
كانت جموع ساحة الشهداء ذلك اليوم التاريخي تحمل في عفويتها ربيع ما قد بشر به الشهيد الأول رفيق الحريري. وعد ربيع ظنه عاجلة سياسة إنماء في حياته فإذا هو عاجلة شهادة في سلسلة من الشهداء قربان جيل جديد لا يستبد به العدد والنسب الانتخابية والتي تهدد وحدة البنية التحتية للمجتمع كما يجري اليوم في النقابات المهنية والعمالية.
لقد كان قَسَم جبران التويني في الوحدة "مسلمين ومسيحيين الى أبد الآبدين" هو الاستجابة لتلك الجموع التي خرجت من مدنها وقراها لتعلن رفضها المطلق لما اقترف الماضي مع مسيرة استقلال الدولة وما انهزم الحاضر في اقتسام مواقع وحدود.
فالاستقلال الذي أوضع لنا سيادة مستقلة في عرف الدستور لم يعكس واقعاً "استقلالياً" في تقرير المصير فنحن جزء من مشكلات ما بعد معاهدة سايكس بيكو وامتدادات العالم الصناعي المسيطر على هذا الشرق وقد أورثت الحالة الصهيونية من جهة والحالة الثقافية المستوردة على الرؤى الفكرية والمبادرات السياسية والاقتصادية من جهة أخرى.
ان هذا الواقع المرتبط بأزمة الصراع في منطقة الشرق الأوسط قد جعل من الصيغة اللبنانية منذ الاستقلال وحتى اليوم، صيغة توازنات بين قوى متصارعة ومنخفضاً في فوضى العالم العربي يغري بالعواصف وقد جاءت الفتن من السبعينات تجسد أزمة التخلف التي يعيشها العالم العربي بأسره وليس فحسب المجتمع اللبناني.
وقد أعطى ذلك طابعاً خاصاً للبنان المسيحي أورث الاعتقاد بخصوصية متميزة عن محيطنا العربي والتراثي وغدت تلك المقولة عملة متجاولة في سوق الأزمة التي تجتازها مرحلتنا الراهنة.
فلكي نتحدث عن خصوصية مسيحية كان لا بد وبالمقابل ان نتحدث عن خصوصية إسلامية.
كان ذلك كله وليد مفهوم الاستقلال الذي صاغته معاهدات سايكس بيكو كفمهوم لاستقلال مجموعات وفئات وقد جمعها التاريخ التراثي وحدة مجتمعية جغرافية فإذا سوريا دولاً أربعاً وإذا لبنان الكبير جزءاً من هذه الخطة الجيوسياسية.
هكذا بدت أزمتنا الراهنة صدى متفاعلاً لمخططات الدول الكبرى بعد الحرب العالمية الاولى.
فمعاهدة سايكس بيكو هي توأم وعد بلفور وكلا المشروعين قد تناغم مع خطة تكتسح مساحة القرن العشرين في الإطار الثقافي والسياسي والعسكري وقد تضامن لها القرن الواحد والعشرين.
وإذا أسقطنا هذه الرؤية الشمولية العامة على الواقع اللبناني تبدت لنا مسيرة الاستقلال كما جرت نقلة بوطننا من مرحلة تبعية تركية الى مرحلة هيمنة العالم الاستعماري الغربي يتخذ له صنوفاً من الصراع يكرس الإرادات وخطط التنمية ويغري بالجدل في كل صعيد.
فأزمتنا الراهنة ليست أزمة مسيحية مشرقية في بحر إسلامي، وليست أزمة إسلامية في سيطرة مسيحية أو أزمة مشكلة سورية لبنانية بادية في الخطاب السياسي وليست أزمة فلسطينية في صراع مع إسرائيل وليست أزمة مذهبية تعلي شعاراتها. فهذه كلها مظاهر أزمة أساسية تتصل بكفاءتنا كمجتمع قادر على صياغة المستقبل بإرادة وطنية جامعة. ذلك اننا جميعنا لا نزال رهائن قوة عظمى مهيمنة تحركنا بظاهر من القول لتخفي باطن الحقيقة.
فطالما ان كفاءتنا كمجتمع مشلولة في زحمة الصراع الفكري الذي أورث ناره خطط العالم الصناعي ومقتضيات انتاج الوفرة العالمية، فإن أرضنا التي نقف عليها سوف تنشق من تحت أرجلنا وتتفتت إذ تمحل وتصبح كل وحدة تبحث لها عن خصوصية مستقلة خصوصية تستجيب لخطط معلنة منذ عام 1979 حول تقسيم المنطقة وتفتيت تماسك بنيانها الثقافي لصالح مستقبل الدولة اليهودية.
فحينما تنضو المسيحية عن كاهلها ثوب التاريخ المشترك، وحينما ينكر المسلمون تلك الشراكة الحضارية للمسيحية المشرقية فإننا جميعاً سنجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام ذلك الفراغ الذي رفعه المستر دالس في منتصف الخمسينات ليسوغ السيطرة الصهيونية وإمتداداتها.
وإزاء هذا الضياع البادي في ابتسار المواقف فإن الاستقلال في لبنان يواجه تحدياً يتصل ببناء الوحدة المجتمعية الثقافية المتصلة بوحدة التراث.
لقد جاءت صحوة مشرقنا العربي صحو انبهار بتعاظم وقوة العالم الصناعي أكثر منه قوة إدراك له ولذلك أعدت الخطط في غفلة عن الوعي العميق لموقفنا التاريخي.
والذين يقرأون الوثائق السياسية لعلاقات الغرب بهذا المشرق يدركون أي خطط نظمت لتفجير تراث متناغم متماسك في مشرقنا رغم التخلف البادي في مظاهر الحياة.
هكذا استهدف التراث كخطة تعرية تفضي الى الفراغ وقد ارتكزت على استراتيجية هذه الخطة الصلات والروابط بالطوائف اللبنانية تستهدف بالوسائل السياسية والثقافية إفراغ ساحتنا من نمط جميع نما في رحاب التاريخ.
هنا يصبح الحوار الوطني الذي دعا اليه فخامة رئيس الجمهورية في خطر الانزلاق في جدل حين يفتقد موضوعه الأساسي حينما تصبح الطائفة مجموعة بشرية لا امتيازاً لحدود قيمة فاعلة في وحدة الثقافة.
وفي إطار هذه التوجهات افتقد كل منا حديث التراث كملهم لغة مشتركة تثري خطى الجيل في إدراك واقعه وتغني مبادراته في مدارج الغد.
فالاستقلال ليس وثيقة تعلن دستورياً يحلو للبعض أن يطالب بتعديل فيه كلما ضاقت به الرؤية الجامعة للوطن بل هو نقلة نوعية من الجهد المشترك يمنح المستقبل رؤية تتوافق فيها المبادرات على الصعيد الثقافي والاجتماعي والسياسي وذلك لا يتسنى إلا إذا نظرنا الى المجتمع اللبناني كما صاغته وحدة التاريخ.
فالمجتمع هو الجماعة التي تعبر دائماً عن خصائصها بإنتاج وسائل التغيير مع علمها بالهدف التي تسعى إليه وراء هذا التغيير.
لذا فالمجتمع ليس مجموعة من الأفراد بل هو تنظيم ألحت دواعيه كلما استمسك التاريخ بعرى وحدته واستجمعت له وحدة الخطى ووحدة التراث ووحدة المصير.
ولبنان المستقل هو لبنان الذي يستجيب لضرورات الغد برؤية تنبع من بواعث التاريخ المشترك.
تلك البواعث التي تضامن فيها نداء قسم جبران تويني مع الجموع بما هو أبلغ من كل خطاب.