تحذيرات من ارتفاع التوترات السياسية- الأمنية بسبب مخاوف نظام دمشق من الانتخابات
أرسلان نقل التهديد السوري إلى جنبلاط تمهيداً لـ"إقصائه" من المعادلة
يبدو جليا ان كلام وزير الشباب والرياضة طلال أرسلان في مؤتمره الصحافي الأخير، هو احدى حلقات الضغط السوري التي جاءت لتكمل الطوق على رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط والذي كان بدأه الوزير السابق وئام وهاب "بأسلوبه"، وذلك من أجل تطويعه، وربما إقصائه من الموقع السياسي الذي يشغله.
في التقديرات المطروحة بين سطور سلوك وهاب الأمني في الجبل وخطابه السياسي العنيف على المنابر, ما يؤكد أنه يقوم بدور حامل الرسائل السورية المباشرة في لبنان, وقد جاء كلامه الأخير بالنبرة العالية التي أطلقها قبل أيام ضد المملكة العربية السعودية ليؤكد بما لا يقبل الشك, أن التوتر السوري-السعودي قد بلغ ذروته من جانب دمشق, وذلك في ما بدا أنه رد مباشر على الدعوات التي وجهتها المملكة لعدد من الشخصيات اللبنانية المقربة من سورية أو محسوبة على فريق "8 آذار", وفي مقدمهم رئيس الحكومة السابق عمر كرامي.
ويبدو أن تلبية الأخير لهذه الدعوة, ثم الإعلان عن وضع الحجر الأساس لمبنى الملك عبد الله في "جامعة المنار" (مؤسسة رشيد كرامي للتعليم العالي وهي إحدى المؤسسات التابعة للرئيس عمر كرامي), أثارت المزيد من التحفظات السورية ودفعتها للرد على المملكة من خلال افتعال بعض المشكلات في عدد من المواقع التي تحتسب في خانة العلاقة الجيدة مع المملكة.
ولهذا فإن توقيت كلام وهاب جاء مدروساً وتسبب بخلق احتقان في الشارع الدرزي, حيث جاء الإشكال الذي حصل الأسبوع الماضي نتيجة طبيعية لهذا الاحتقان, بغض النظر عن وقائع الإشكال على الأرض.
وظهر أن سورية تريد افتعال أكثر من مشكلة من أجل الضغط على المملكة في لبنان, بعد أن اعتبرت أن الرياض تحاول اختراق جبهة "8 آذار" من خلال الرئيس كرامي والاتصال غير المعلن مع شخصيات سنية أخرى, تنشط بعيداً عن الأضواء بهدف تطويق أي مشكلة سنية وتوحيد الصف في وجه محاولات القوى الفاعلة في "8 آذار", وخصوصاً زعيم "التيار الوطني الحر" العماد ميشال عون و"حزب الله", من أجل إضعاف الفريق السني واستفراده لفرض تعديل اتفاق الطائف بما يناسب الحليفين, رغم اعتراض الحليف الثالث رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي عبر صراحة عن خشيته من فتح باب المس باتفاق الطائف لأنه لن يكون من السهل إقفاله بعد ذلك.
انطلاقا من ذلك, فإنه بات مفهوماً ذلك التصعيد الكلامي الذي يحاول خلق مشكلات أمنية متجددة في الشارع, من أجل استكمال مشروع 7 أيار الذي يبدو أنه لم يحقق كل أهدافه, وقد كان أرسلان واضحاً في التلميح إلى أن جنبلاط يريد العودة إلى ما قبل 7 أيار, وكأنه يحذره من حصول 7 أيار في الجبل على غرار 7 أيار في بيروت, وربما انسحبت 7 أيار إلى مناطق أخرى في بقية المناطق اللبنانية, خصوصاً في عكار وطرابلس.
ويبقى السؤال الأهم: هل هو تهديد حمله أرسلان لجنبلاط؟
يبدو أنه كذلك, ويبدو أن جنبلاط فهم فحوى هذه الرسالة وكل الرسائل التي حملها وهاب من قبل, فالوزير أرسلان الذي ألمح إلى أنه سيتنازل عن التفويض الأمني الذي منحه إياه جنبلاط بعد أحداث 7 أيار الماضي, كان يقصد أنه سيرفع الحماية الأمنية التي كان ضامناً لها عند "حزب الله" وسورية, بأن جنبلاط سيتم استيعابه لاحقاً وأنه في غياب هذه الضمانة الأمنية سيؤمن الغطاء المناسب لعمل أمني في الجبل, يشابه 7 أيار لإلغاء حالة "الحزب التقدمي" بشكل نهائي وإلغاء جنبلاط من المعادلة السياسية.
وربما هذا أيضاً ما يتوافق مع تصريحات كانت أشبه بالتهديد أطلقت على لسان الوزير السابق سليمان فرنجية القريب أيضاً من سورية, بأنه يتخوف من حصول اغتيالات سياسية كبيرة شبيهة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري قبل الانتخابات, ما أوحى بأن سورية تستعمل رسائل التهديد المختلفة لتطويع جنبلاط, الذي ما يزال يحاول التملص من الطوق الأمني السياسي الذي يضرب حوله من قبل دمشق عبر حلفائها.
فهم جنبلاط كل تلك الرسائل, فحاول في مؤتمره الصحافي, امس, السبت سحب تلك الفتائل من دون التراجع عن مواقفه السياسية, وهو يدرك أن الهدف هو تعطيل دوره في قيادة فريق "14 آذار" في المعارك الانتخابية المقبلة, لأن سورية تعتقد أن غياب جنبلاط عن تلك القيادة سيؤدي إلى خلق إرباكات داخل فريق الغالبية حول تشكل لوائح موحدة في كل الدوائر الانتخابية.
وبحسب بعض المقربين من سورية, فإن كل المحاولات التي جرت خلال الأشهر الماضية لاستمالة جنبلاط أو تحييده باءت بالفشل, ولذلك فقد بدأ تطبيق ستراتيجية جديدة بتطويقه سياسياً وامنياً, من أجل إرباكه وإلهائه ومحاصرته, لمنعه من قيادة فريق "14 آذار" في الانتخابات, باعتباره الوحيد القادر على تذليل الكثير من الصعوبات التي بدأت تطل برأسها بين عدد من الحلفاء داخل هذه الفريق.
وتشير المعلومات إلى أن العائدين من سورية يتحدثون عن ارتباكات أمنية ستظهر في عدد من المناطق خلال الأسابيع القليلة المقبلة, وهدفها قلب موازين القوى الانتخابية-السياسية لصالح حلفاء سورية.
وعن أكثر المناطق التي يمكن أن تشكل مسرحاً لتلك الإشكالات, ذكر بعض القادمين من دمشق, مناطق الشوف وعاليه وعكار والضنية-المنية والبقاع الغربي, حيث يظهر تفوق واضح لقوى الغالبية, من أجل الضغط على الرأي العام وفرض تغيير في موازين القوى.
هل تنجح الخطة الجديدة؟
في اعتقاد مصدر رفيع في قوى "14 آذار" أن سورية غير قادرة على فعل أي شيء, وان ما تقوم به يدل على أنها في أزمة بسبب عجزها عن إحداث أي تغيير ملموس حتى الآن برغم كل رسائل التهديد والترغيب التي توجهها لعدد من اللبنانيين من مختلف الشرائح والمواقع, وهي فوجئت بأن جبهة حلفائها في "8 آذار" بدأت تتصدع, خصوصاً بعد أن لبى الرئيس كرامي دعوة الملك عبد الله بن عبد العزيز لزيارة المملكة وأداء فريضة الحج, وما ستتركه هذه الزيارة من أثر على مواقف الرئيس كرامي وموقعه في فريق "8 آذار", خصوصاً أنه يحمل كثيراً من التحفظ والاعتراض على أداء من يفترض أنهم حلفاؤه وخصوصاً العماد عون و"حزب الله", اللذين لا يقيمان أي اعتبار له ولحضوره منذ فترة طويلة.
لكن ذلك يعني أن سورية ستلجأ إلى ستراتيجيات متعددة, وستكرر مختلف المحاولات من أجل تحويل الدفة لصالحها, ولهذا فإن كلام الوزير أرسلان ربما يكون موجهاً بشكل مباشر للنائب جنبلاط, لكنه عملياً ينسحب إلى كثير من المناطق وعلى كثير من الشخصيات السياسية التي تريد سورية تطويعها أو إبعادها, وفي الحد الأدنى تخفيف تأثيرها.
وهذا ما يؤدي إلى استنتاج خلاصة تفيد بأن الأسابيع القليلة المقبلة ستشهد مزيداً من التوترات السياسية-الأمنية, لأن سورية لن تستسلم بسهولة ولن تسلم بأي احتمال لعدم حصولها على الأغلبية النيابية في الانتخابات المقبلة.