لبنان جبران
اذا كان هناك من تكريم يليق بصحافي شهيد فهو من اهل مهنته الذين يعرفونه تماما قلما وحبرا ودما. وفي الذكرى الثالثة لاستشهاد جبران تويني جاء التكريم في انعقاد مؤتمر "المنتدى العربي الثالث للصحافة الحرة" في بيروت بدعوة من الاتحاد العالمي للصحف وجريدة "النهار". ومن الجلسات التي عقدت على مدى يومين أخترت حضور واحدة تحمل عنوان "الوجه المتغير لعملية التدوين (البلوغ) في العالم العربي". ويبدو ان الاختيار كان موفقا بدليل ما كتب عنها في صحف بيروت انها كانت "الأكثر تشويقا".
هذه الجلسة كانت برئاسة نورا يونس مدونة صحافية (بلوغر) ومديرة قسم الملتيميديا في "المصري اليوم" وتكلم فيها على التوالي: محمد العبدالله، بلوغر "I”m Leaving and I”m not Coming Back" أي "أنا مغادر ولست عائداً" من سوريا، وكيزي شوكت، بلوغر من السودان "لا قبيلة لي، انا سوداني – "I Have No Tribe, I”m Sudanese" وسامي بن غربية بلوغر، "فكرة"، ومدير "غلوبال فويسز ادفوكاسي" من تونس. ولم يحضر فؤاد الفرحان، بلوغر من السعودية بسبب منعه من السفر من بلاده. وما قدمه المتكلمون من معطيات حول الموانع التي تعترض موا طنيهم الذين يستخدمون شبكة الانترنت كانت مذهلة، بدليل ان التعليقات الصاخبة التي أطلقها بعض الحضور من كل من السودان وتونس ضد المتكلمين من البلدين أثارت قرجاً ومرجاً لتصل الى حد اتهامهما بـ"العمالة" ليُرد عليهم بانهم "عملاء" النظامين! وفي لحظة يدرك المرء ان المشهد نادر الحصول في أي قطر عربي مما يؤكد فرادة لبنان الذي أستشهد من اجله جبران تويني.
لكن المفاجأة كانت في المداخلة التي تلاها المتكلم من سوريا . أي محمد العبدالله. ولكن مع ذلك لم ينبرِ أحد "العملاء" لمهاجمته. مما يعني ان لبنان خال، وإن ظاهريا، من "فيروس" المدافعين عن النظام السوري. في هذه المداخلة التي حملت عنوان: "نحو ثقافة التدوين المقاوم" يتبين ان لبنان يجاور جغرافيا بلدا ينتمي الى "واحدة من أشرس 15 عدوا لشبكة الانترنت على مستوى العالم" وفق توصيف منظمة "مراسلون بلا حدود" للسلطات السورية. كما صنفت منظمة "Aritcle 19" سوريا ضمن "الانظمة العشرة الاكثر عداء للانترنت وتقييدا لاستخدامها في العالم".
واهمية مداخلة محمد العبدالله انها تؤرخ لحقبة تبدأ العام ألفين، أي بداية عهد الرئيس السوري الحالي بشار الاسد الذي أحيط قدومه بهالة "العصرنة"، وما أن بدأ السوريون الحصول على خدمة الانترنت في ذلك العام و"بدأت الجمعية المعلوماتية السورية تقديم الخدمة بداية لفئات معينة دون اخرى كانت لها أولوية على الباقين (الاطباء والمهندسين والمحامين)" حتى بدأت الخدمة عبر مؤسسة حكومية تشمل المواطنين" بعد الحصول على معلومات كاملة عن المستخدم بما فيها "كلمة السر". وعلى رغم ذلك، فان السلطات "حجبت منذ منتصف 2006 عشرات، لا بل مئات المواقع ذات الاستخدام الواسع حيث يتم الحجب من المؤسسة السورية للاتصالات بناء على طلب المخابرات!" وابتداء من اوائل تموز 2007 كان على اصحاب مقاهي الانترنت الحصول على معلومات كاملة عن روادها و"تسليم هذا السجل الى مندوبي الاجهزة الامنية عند حضورهم". وقد يشكل عدد المعتقلين في سوريا بسبب التدوين والنشر الالكتروني "صدمة كبيرة" مقارنة بعمر الانترنت في البلاد. فقد تلاحقت الاعتقالات منذ عام 2002 أي بعد مضي عامين على تقديم الخدمة. ومن بين العديد من الاسماء تقرأ اسم فراس سعد الذي اعتقلته السلطات السورية في آب 2006 بسبب كتابته مقالا على موقعه الفرعي على موقع "الحوار المتمدن" يتساءل فيه عن "دور الجيش السوري خلال حرب تموز 2006 على لبنان". وقد حكم عليه بالسجن 4 سنوات من محكمة امن الدولة العليا.
هذا غيض من فيض من مداخلة العبدالله. فهو جاء الى لبنان من خارج سوريا حيث يقبع والده الناشط السياسي علي العبدالله في السجن في عقوبة ستستمر لسنتين وهو صاحب مقالات ظهر بعضها في "النهار". كما يقبع شقيقه عمر في السجن ايضا تنفيذا لعقوبة مدتها 5 سنوات بتهمة "الانترنت".
صاحب المداخلة، على رغم هذا القمع الهائل، مفعم بالامل في الوصول الى "يوم نلج فيه مواقعنا السورية فلا نفاجأ بكلمة "ممنوع الدخول". أما المستمعون اللبنانيون الى مداخلته فأدركوا كم هي عسيرة مهمة تطبيع العلاقات بين بلدين ينتمي احدهما الى عصر ليته "حجريا" حيث كان بامكان الانسان القديم ان يدوّن ما يشاء كما فعل النبي موسى بوصاياه على ألواح الحجر.