#adsense

“النّجم” في كل حين!

حجم الخط

"النّجم" في كل حين!

في سياق حديث له عن الشهيد جبران تويني قال الوزير الياس المر، وهو أحد الأقربين اليه على الصعيدين الشخصي والعائلي: "جبران طفل ويعرف هذه الحقيقة كل من يعرفه". هو هكذا كان بالفعل: طفل في طيبته وبراءته كما في اندفاعه اللامتناهي في اتجاه كل ما ومن يحب، في اتجاه اقتناعاته خصوصا.

ومن خلال واقعة شخصية انتهت باقتناع بطيبته اللامحدودة، أشعر بديْن عليِّ لجبران. فذات يوم كنت ضيفاً في برنامج سياسي على محطة "المنار" التلفزيونية، وفي إطار الاتصالات الهاتفية التي تلقاها البرنامج الذي ضمني وضيفاً آخر، شن أحد المتصلين هجوماً غير مبرر وبلا أدنى سبب على جبران وكان من الطبيعي أن أرد على الاتصال الذي كان مدسوساً بالفعل، إذ بدا واضحاً ان صاحبه مدفوع ومنتحل صفة يتكلم باسم مستعار وبلهجة "مستعارة". لكن مقدم البرنامج ومدير الحوار الزميل عماد مرمل تصدى للمتصل فوراً وقطع الاتصال بعدما تمنى على صاحبه التزام ابسط القواعد الاخلاقية للخلاف بالرد على الموقف السياسي بالموقف، وعلى الحجة بالحجة وليس بالتهجم الشخصي. عند ذاك شعرت انه "قد وصلني حقي" ولم أشأ إعطاء الاتصال أكثر من حجمه كأن أرد ثانية بعد الفاصل الإعلاني على اتصال اقل ما يقال فيه انه لم يتجاوز مستوى الشتائم.
وفي اليوم التالي بلغني بالتواتر وبواسطة أحد الزملاء الأعزاء في "النهار" عتب من جبران إذ "قيل له" انني لم ادافع عنه. وسألتني العزيزة نايلة ابنة جبران و"حبيبة الكل" خلال لقائنا مصادفة في مكتب الزميل المذكور عن الموضوع عرضاً، فشرحت لها ملابسات الاتصال وطلبت منها ابلاغ جبران الذي "زعل" ولم يرد على اتصال هاتفي مني.

وبعد اسبوع أو اكثر بيومين اتصل بي جبران ممازحاً وسائلا عن امور شخصية ولم يأتِ على ذكر الموضوع لا من قريب ولا من بعيد، وكان يتصل من خارج لبنان.
اليوم في ذكرى استشهاده الثالثة، اتذكر الحادثة واعتذر من جبران…

وثمة تجربة شخصية اخرى تؤكد طيبة جبران وبراءته الطفولية، وفي الوقت نفسه تؤكد ديموقراطيته اللامتناهية، وهي تاريخياً مدرسة حقيقية في "النهار" المعروفة بأنها تضم الجميع من أقصى اليسار الى اقصى اليمين. كان جبران عضواً في "لقاء قرنة شهوان" وكنت ممن توجهوا الى "اللقاء" بالنقد، ولاسيما في موضوع "تركيبته" و"لونه" الطائفي الواحد. وأشهد أن جبران تويني المدير العام لـ"النهار" وأحد اركانها، لم يسألني مرة عن سبب انتقاد تجمع سياسي ينتمي اليه، بل كان في أقصى الحالات، يناقش ويدافع عن وجهة نظره لا أكثر ولا أقل. ولم يسمح لنفسه يوماً حتى بالعتب على احد بسبب موقف سياسي، بل كان يبدي رأياً كأي قارىء آخر!

بعد ثلاثة أعوام على استشهاده لا يزال جبران حاضرا بقوة ليس في "النهار" فحسب بل ايضاً في بيوت كثيرة لا تعد ولا تحصى في الداخل والخارج، في الوطن والمهجر، وفي قلوب كثيرة أحبته ولا تعرفه شخصياً. كما انه لا يزال حاضراً حتى في مجالس من اختلفوا معه واختلف معم في السياسة، وليس في استطاعة أي من هؤلاء ألا يجد شيئاً ما " يحبه في "تركيبة" جبران: الطفل، الشاب، الرجل، الصحافي، المتحمس، المتوقد، السياسي، النائب، الثائر، المقاوم، المعتدل، المتطرف، الارثوذكسي، الدرزي، المسلم، المسيحي، الفينيقي"، العربي، الدولي. كان كل هؤلاء حيناً، وبعضهم أحياناً، وكان النجم في كل المحافل، ولا يزال، في كل حين!

المصدر:
النهار

خبر عاجل