بابٌ لتذكير المسيحيين بشراكتهم في "الطائف"
اللامركزية عنوان لإصلاح شامل في.. "المجتمع"
بتحريكه موضوع "اللامركزيّة الإداريّة" يعيد رئيس الجمهوريّة العماد ميشال سليمان الاعتبار للجانب الإصلاحيّ من اتفاق الطائف. وأهمّ من ذلك أنّه يعيد الاعتبار لواقعة أنّ الطائف صاغه مسلمون ومسيحيّون، وأنه عقد شراكة بين مسلمين ومسيحيّين، على أساس الوحدة الكيانية النهائية والمناصفة الدائمة في التمثيل والتشريع، تلك المناصفة التي يمكنها، وحدها، أن تصون التوازن بين قانون العدد وفضاء التعدّد، وكذلك التوازن بين السلطتين الإجرائية والتشريعية، وداخل السلطة الإجرائية نفسها بين المقام التحكيمي الذي لرئيس الجمهوريّة والمقام التقريريّ الذي لرئيس مجلس الوزراء، أجل رئيس مجلس الوزراء، لأنّه إذا كانت السلطة الإجرائية يمارسها مجلس الوزراء ككل، فإن رئيسه يبقى مقرّراً عامّاً يسهر على تدبير أحوال الدولة بين كل اجتماعين لمجلس الوزراء.
و"اللامركزيّة الإداريّة" هي من الأبواب التي يمكن أن يتعرّف الجناح المسيحيّ من خلالها على نفسه في اتفاق الطائف، كما على مضمون شراكته مع الجناح المسلم. نصّ الاتفاق على هذه "اللامركزيّة" في مقدّمة الإصلاحات المتمّمة أو المضافة لتلك الدستوريّة. وكان يفترض أن يصار إلى تطبيق هذه الإصلاحات فور تعديل الدستور اللبناني وفقاً لمندرجات الطائف، وهو ما لم يكن مقدّراً له أن يحدث في ظلّ اشتداد الوصاية السوريّة، والتطوّر السريع للجهاز الأمنيّ المحليّ المرتبط بها، فضلاً عن القمع السياسي والأهليّ للمسيحيّين من قبل تلك الوصاية وهذا الجهاز. ويضاف إلى ذلك خطأ السلبية السياسية العامّة كما تجلّت مسيحياً في مقاطعة انتخابات 1992.
التوفيق
والطائفُ، في ما نصّ عليه من "لامركزيّة إداريّة"، جاء توفيقياً إلى حدّ كبير. فمن جهة، أراد الانسجام مع ما يرتاح له المسيحيّون ويعينهم على حفظ الجغرافيا الخاصّة بهم، والحفاظ على وجودهم في الجغرافيا المختلطة طائفياً. ومن جهة أخرى ثمة محاولة للتأكيد على مبدأ "الدولة المركزيّة" التي بدت محمولاته الإسلاميّة واضحة منذ نهاية الستينيات من القرن الماضي.
لأجل ذلك، اهتمّ الطائف بطمأنة الجانب الإسلامي من المعادلة بأنّ هذه اللامركزية تندرج في إطار "دولة واحدة موحّدة ذات سلطة مركزيّة قويّة"، مع الملاحظة بأنّ النصّ لا يقول بـ"دولة مركزيّة"، وهذا فارق لا يجوز طمسه. فالدولة المركزية تفيد تمركزاً جغرافياً للسلطات على كل الصعد (ليس فقط الدفاع والمالية بل أيضاً التربية والعدل)، في حين أن الدولة "الواحدة الموحّدة ذات السلطة المركزيّة القويّة" تقضي بتمركز العناوين السياديّة فحسب (القوات المسلّحة والمصرف المركزيّ) ويمكن أن تتقبّل لاحقاً انتشاراً جغرافياً لمعاني السلطة الأخرى (بدءاً من الإدارة والشرطة ووصولاً إلى الأشغال العامّة، والإسكان، والتربية، ومراتب معيّنة من القضاء).
درء الشبهتين
وعلى الرغم من الحيّز الذي يتيحه التفريق بين دولة بسلطة مركزيّة قويّة وبين دولة مركزيّة صرف، فقد التزم الطائف بعناوين ثلاثة فقط لأجل "تخفيف حدّة المركز":
أولاً، "اللاحصرية" كما جاء وصفها في الفقرة الثانية من باب اللامركزية الإدارية. حيث يدعو الطائف إلى "توسيع صلاحيات المحافظين والقائمقامين وتمثيل جميع إدارات الدولة في المناطق الإدارية على أعلى مستوى ممكن تسهيلاً لخدمة المواطنين وتلبية لحاجاتهم محلياً". اللاحصرية ليست اللامركزية، لكنها شرط ممهّد لها، وعادة ما يجري الخلط بين الأمرين.
ثانياً، "إعادة النظر في التقسيم الإداري". وقد أضاف الطائف: "بما يؤمن الانصهار الوطني وضمان الحفاظ على العيش المشترك ووحدة الأرض". هنا ينبغي إخراج هذه العبارة من الالتباس. الطائف جاء لإنهاء حرب أهلية ضروس أستمرت ستة عشر عاماً، وبالتالي فإنه لا يضع "الانصهار الوطني" معياراً ثابتاً للتقسيم الإداري الجديد أو كهدف له، وإنما يقول بإعادة النظر في التقسيمات في حدود ما من شأنه ضمان وحدة الأرض وصون التداخل بين السكّان.
ولا يفصّل الطائف في موضوع "اللامركزية الإدارية" إلا بعد إقراره للاحصرية من جهة، ولإعادة النظر في التقسيم الإداري من جهة ثانية، وعلى أساس التمييز بين الدولة ذات السلطة المركزية القويّة التي يقول بها، والدولة المركزية الصرف التي استبعدها. فقط بعد استجماع كل هذه الشروط، يقرّر الطائف "اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة". وكان يمكن اصطلاحياً الاكتفاء بعبارة "اللامركزية"، لأن "الإداريّة" كصفة زائدة هي إما تحصيل حاصل (اللامركزية إدارية بتعريفها، وإلا لقيل فدرالية) وإما أنّها تجيء في بعض الأحيان كمرادف للاحصرية.
والحقيقة أن الطائف زاد على اللامركزية صفة "الإدارية" تجنيباً لها من شبهة "اللامركزية السياسيّة"، أي الاتحادية أو الفدرالية، لكنّ الاتفاق احتاج بعد ذلك لتوصيف الصفة نفسها فقال بـ"لامركزية إدارية موسّعة". ثمّة إذن في النص مسعى لدرء الشبهتين، شبهة الالتباس الفدرالي وشبهة البقاء في حيّز اللاحصرية.
بيد أن النصّ وبعد أن أضاف للامركزية صفة "الإدارية"، عاد فأضاف للإدارية صفة "الموسّعة". ثم رجع فحصر "اللامركزية الإدارية" في ما أسماه "مستوى واحد" هو "الوحدات الإدارية الصغرى"، أي "القضاء وما دون"، وذلك عن "طريق انتخاب مجلس لكل قضاء يرأسه القائمقام، تأميناً للمشاركة المحلية".
اللامركزية اجتهاد دائم
المفارقة هنا أن النصّ ما كان بوسعه التحديد الواضح لمستويات اللامركزية يوم صياغته، لأن ما أوجبه من إعادة النظر في التقسيم الإداري وفقاً للفقرة السابقة مباشرة، كان وما زال ينتظر الترجمة الواقعية.
من هنا فإن نصّ الاتفاق يبقي الباب مفتوحاً للاجتهادات اللاحقة، ابتداء من اللاحصرية وغير اكتفاء بها، وملامسة للأبعاد السياسية للامركزية، من دون الحاجة للالتزام العقائدي بالفدرالية.
اللامركزية المطلوبة لها أن تجيء على أكثر من مستوى. وإذاك فقط تتحول إلى مشروع شامل للإصلاح في المجتمع اللبناني، مشروع يفرز ضمانات حيوية بإزاء ثنائية الديموغرافيا المتحرّكة والأمن المنفلت من عقال الدولة.