هجوم بطريركي مضاد
اقل ما يقال في العظة العالية النبرة للبطريرك الماروني مار نصرالله صفير من بكركي امس، والتي تبنى فيها المطالبة باعادة النظر في الاحكام الصادرة، خلال (مرحلة الاحتلال) بأنها بداية الهجوم المضاد على الزحف العوني باتجاه سوريا وايران. بل هي رد فعل الكنيسة المارونية وجمهورها الواسع على محاولات تكريس العماد ميشال عون بطريركا سياسيا على انطاكية وسائر المشرق للطائفة المارونية، بديلا عن البطريرك الماروني، الذي لو اصغى للوساطات وزار دمشق، لربما كان له استقبال بابوي اكبر…
وبقدر ما يعني تبني البطريرك صفير لمطلب اعادة النظر بالاحكام المشكوك بصحتها، اصطفافا كاملا للكنيسة المارونية الى جانب وجهة النظر المشككة بسلامة الاحكام الاربعة الصادرة بحق رئيس الهيئة التنفيذية للقوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، وهذا ما سيكون له انعكاسه الواسع على توجهات الناخب الماروني خصوصا والمسيحي عموما، وفي كسروان بالذات، بقدر ما يعني وصفه مرحلة الوجود السوري في لبنان (بعهد الاحتلال) وتشبيهه (بالمرحلة النازية) في فرنسا، اسقاطا لكل عبارات التفخيم والتعظيم التي قيلت عن عون او قالها عون، خلال فترة (زيارته التاريخية) لسوريا…
هذا الطرح البطريركي، سيضيف بندا ساخنا، على جدول اعمال الاستحقاق الانتخابي في لبنان، ويكفي القبول به قضائيا، ومن حيث الشكل، الى زعزعة بنيان الاستراتيجية الانتخابية للعماد ميشال عون في مناطق الجبل، لما سينطوي عليه من اعادة اعتبار معنوي، من حيث المبدأ، للدكتور سمير جعجع، وسيضاعف من التوترات الانتخابية وبالتالي المنافسات بين التيار العوني والقوات الى درجة لا توصف…
وفي هذه الحالة، ثمة وجهتا نظر، الاولى ترى في هذا التطور الدراماتيكي لموقف القواتيين، فرصة للعماد عون كي يطالب حلفاءه، خصوصا في حزب الله وحركة امل، بمزيد من التنازلات على صعيد تركيب اللوائح واختيار المرشحين المسيحيين بالذات في بعض دوائر البقاع والجنوب، الى جانب مطالبة الحليف السوري، بتسديد فاتورة زيارته الى دمشق وحلب، لمواجهة اسهم بكركي والقوات في البورصة الانتخابية.
والثانية ترى ان العماد عون، قدم للسوريين ولاء جزء من المسيحيين بزيارته المشهودة، لكن التجارب تدفع الى الاعتقاد بأن دمشق لا تتسرع في تقديم المقابل عادة، اذ ربما في حساباتها وضع العماد عون امام امتحان الاخلاص والجدارة، وقد اجتاز البند الاول بالزيارة التي عبرت عن خالص الاخلاص، وبقي بند الجدارة المرتبط بمدى النجاح في الانتخابات النيابية…
ويقول صاحب هذه النظرية وهو وزاري المحتد، انه في حال فوز تيار عون بالانتخابات، فان الكلام السوري معه سيكون مختلفا عنه في حال الفشل، وسيكون موقعه في الروزنامة السورية بلبنان، على قياس رصيده النيابي المقبل.
المصدر عينه قلل من اهمية الاستقبال الباهر الذي لقيه عون في سوريا، واعتبر ان ذلك لن يؤثر بالملموس الشعبي، المؤثر بنظره يكمن في مدى الهامش الذي اعطي لعون في دمشق على صعيد تشكيل اللوائح الانتخابية، هل اعطي الحرية المطلقة، بعد تقليده رتبة زعيم المسيحية المشرقية، ام ان (حكي السرايا غير حكي القرايا؟).
على اي حال، ثمة من يرى في احتدام الصراع الانتخابي بين التيار العوني وحلفائه، وبين القوات وحلفائها، فرصة لتقدم الوسطية التي هي الخيار الثالث للناخب المسيحي، التحاقا بموكب الدولة الذي يقوده الرئيس ميشال سليمان..
وفي رأي المصدر ان طريقة التعاطي مع الرئيس سليمان من جانب الطرفين المعنيين بزيارة دمشق، اطلقت شرارة من التعاطف مع خياره الوسطي انطلاقا من قناعة الناس، بأن زيارة عون لبعبدا، بعد عودته من دمشق، لم تبرر عدم استئذانه الرئيس قبل السفر…
واعتبر المصدر ان الاوضاع اللبنانية باقية تحت التأثير الاقليمي في ظل المراحل الانتقالية، اكان في اميركا او في اسرائيل، وانه من غير الجائز تجاهل الاحاديث عن اغتيالات وتفجيرات ذيلها في ساقية الانتخابات ورأسها في بحر المحكمة الدولية، التي من شأن تنفيذ اي منها ان يعيد خلط الاوراق ومراجعة الحسابات كلها.
وثمة قول لوزير الاعلام طارق متري مفاده، ان الناس في لبنان لا تكوّن قناعتها بحرية، وهي تريد زعامات تقودها لا تسودها..
والحقيقة ان الناس في لبنان، تريد زعامات تخوض غمار التحديات ولا تقفز الى قارب النجاة عند هبوب العاصفة، تريد تغيير الاتجاه، بعيدا عن المسارات الراهنة المفتوحة على العدم، والمستندة الى وجهات نظر مستوردة، بل ضالة ومنحرفة ترى ان ما يجري قدر اللبنانيين، او انه جزء من طبيعتهم التاريخية.
والراهن ان كل ما عندنا هو من صنع غيرنا، من القرار الى الموقف الى السلاح الى بطاقات المعايدة، حيث نقرأ ما كتبه غيرنا لغيرنا ونعتبر ذلك من طبيعة الاشياء. هذا النوع من الاتكالية، هذا المستوى من التبعية، يتطلب انقلابا على الذات، ينأى بنا عن العوملة او العرقنة وكل اشكال التفكك، والتشرذم والاستتباع، وليس ذلك على ذوي القناعات الوطنية الصادقة، بمستحيل…