ماذا يخطّط السوريون للجبل؟
بعد "السكرة الفكرة"…
سكر بعض اللبنانيّين بنشوة إستقبال الجنرال في سوريا وقبلها بالإنفتاح الساركوزي على نظام الشام، وإعتقدوا أنّ وصول أوباما إلى البيت الأبيض إنتصارٌ للسياسة السوريّة الّتي إعتادت على اللّعب السيّاسيّ حتى الرمق الأخير، وبأنّ سوريا ستعود لتفرض وصايتها على لبنان الّذي لا يعرف أبناؤه العيش سويّة وهو بحاجة إلى الوصاية الدائمة، وهو بلد تصدير الإرهابييّن إلى النظام العلويّ وإغتيال الناس والضبّاط في شوارع دمشق.
طبعاً سكِر هؤلاء وعادوا و"شمّروا على زنودهم" ينتظرون الإنتخابات المقبلة ليكتسحوا صناديق الإقتراع وليعيدوا مجد عنجر وذكريات البوريفاج. فسيناريو الإنفتاح السوريّ على لبنان بواسطة علاقات ديبلوماسيّة وإستقبالات ماجيستية لزعماء لبنانيين ورضى دولي على "الأسد" ليست إلاّ أضحوكة دوليّة لا بل أميركيّة ستستكمل بـ"فَكرة" أتباع السوري الذين ظنّوا أنّ هذا الرضى نصرٌ وهو ليس إلاّ بفبركة متقنة لإعطاء النشوة للسوري ودفعه إلى إرتكاب حماقة في لبنان ستعجّل حتفه.
السيناريو السوري الذي يركّب، يتشابك مع السيناريو الغربي ولكن لكلٍّ منهما نهايته، فالأوّل وبعد "أبّ إبط" الثاني له، سيقع في مصيدة لن ينجو منها وستكبّله نهايته، بينما السيناريو الثّاني الّذي أعطى السوري فرصة من خلال لبنان لينفتح على المجتمع الدولي، يعرف تماماً أنّ السوري ليس إلاّ دجّالاً بإمتياز وسيجرّه تفكيره بأنّه رضي عنه، إلى تحضير سيناريو آخر ليطيح بالجبل وبالإنتخابات النيابية، ولهذا السيناريو تفريعات وفصول.
لنعد إلى الذاكرة، اغتيل نهار الأربعاء 10 أيلول 2008 الشيخ الدرزي صالح العريضي عضو المكتب السياسي في الحزب الديمقراطي اللبناني في إنفجار وقع في منطقة عاليه، وطبعاً الرسالة كانت موجّهة إلى كلّ من جنبلاط وإرسلان في الوقت عينه، ولكن لم تتوقّف الأمور عندها، فجاءت ولو حتّى بعد فترة حادثة "كفرحيم" حيث رآها رئيس تيار "التوحيد اللبناني" وئام وهاب محاولة إغتيال فعلية له، مشيراً إلى أنّ عناصر من الحزب "التقدمي الإشتراكي" أطلقوا النار على منزل شقيقته حيث كان يتواجد هو مع قرابة 30 طفلاً يحتفلون بعيد ميلاد أحد الأطفال (بالرغم من أنّ وهّاب كان يجّهز مجموعة خاصّة لتنفيذ سيناريو معيّن)، وقال "أوعا يفتكر وليد جنبلاط أنّ أولاده أغلى من أولادنا ومتل ما هو في يقتل أولاد الناس،
الناس بتعرف كيف بدّا تتعاطى معه ومع أولاده". وإذ وصف وهاب رئيس اللقاء الديمقراطي بـ"الأزعر الأول"، توعّد وهّاب بالأخذ في الثأر من جنبلاط في حال تخطى الخطوط الحمراء، قائلاً: "ثأرنا ليس مع الزعران اللّي مفلتهن وليس مع غيره حقنا عنده، فلتكن واضحة عندما تسقط الخطوط الحمراء لا تبقى خطوط حمراء على أحد".
هذه أولى تفاصيل السيناريو الذي سيستكمله إرسلان في مؤتمره الصحافي في 12 كانون الأوّل 2008 فحذّر من خطاب جنبلاط التصعيدي الّذي ترافقت معه أحداث أمنية خطيرة كالتي حصلت أخيراً في كفرحيم الآمنة وهذا يعيدنا برأي إرسلان إلى ما قبل 7 ايار، كما حرّر إرسلان وليد بك من التفويض الّذي أعطاه إياه سابقاً، مجدِّداً ثباته إلى جانب سوريا الّذي سيكون رأس الحربة في التصدي لتطويعها، قارعاً جرس الإنذار مبكراً "كي لا نصل إلى ما لا نريده".
ألا يذكّركم هذا القول الأخير بقول الرئيس كرامي عشيّة إغتيال الحريري "بكرا بتشوفوا…". طبعاً السيناريو نفسه ولكن التوقيت مختلف والظروف أيضاً ولكن للأسف كانت وستكون الإنتخابات النيابية هدفية هذا السيناريو الذي تناوله الوزير السابق فرنجية في حديثه عن إغتيال ضخم كإغتيال الحريري.
إذاً اتّضح السيناريو والمستهدف هذه المرّة زعيم الجبل وليد بك جنبلاط، الذي أتته التهديدات من قبل أفواه النظام السوري في لبنان وتصعيد جنبلاط مشابه بتصعيده بعد إغتيال الحريري ليحمي نفسه من براثن السوري. ولكن لهذا السيناريو تفاريع، ففي حال لم يتمكّن السوريون من إغتيال "البك" فالكارثة الأكبر ستكون بإغتيال الأمير أي طلال إرسلان، وهذا المؤتمر الذي دفعه السوريون إلى التهجّم به ضدّ جنبلاط، سيكون للسوري المظلّة لإغتيال إرسلان فيتّهم جنبلاط به كما إتهم بمحاولة اغتيال وهّاب، فعندها يشتعل الجبل الذي لم تتمكّن عناصر المقاومة الإسلامية من إخضاعه في أحداث أيّار ويصبح وهّاب الحاكم بأمر أنصار إرسلان والخصم اللّدود لجنبلاط.
هذا السناريو ذات وجهين، وكلاهما ضرب للجبل في الصميم وإشعال للفتن وتغيير لمجرى الإنتخابات بالفوضى والإغتيالات. ولكن كما قلنا إنّ هذا السيناريو يقابله آخر غربي، يتربّص بالسوري ليوقع به، فإذا عاود السوري عمليات الإغتيال فلن ينجو هذه المرّة بعقوبات حتى العسكريّة منها فتكون الحجّة مؤاتية مع بداية عهد أوباما الذي لن يبدأ الحرب على إيران قبل تطويقها إمّا بفكّ الإرتباط السوري – الإيراني الذي لم ينجح إلى الآن، وإمّا بإيقاع سوريا في فخّ لبنان من جديد ولهذا نشرت جيشها على الحدود مع لبنان خوفاً من أن يصبح الأخير مقراً لجيوش الحلفاء وجسراً لعبورها إليها.