على الأقل
الانقلاب!
جاءت زيارة الجنرال ميشال عون لدمشق من اجل استكمال الانقلاب الذي بدأ في السابع من ايار الماضي، وقاد الى هدنة سياسية اسمها "اتفاق الدوحة". فالانقلاب العسكري الذي نجح في اجتياح بيروت، كان في حاجة الى غطاء سياسي، والى اعادة رسم خريطة القوى السياسية الطائفية كي ينجح. فقام الجنرال بزيارته الاحتفالية، معلنا من عاصمة الامويين انقلابا شاملا، سوف يطبع الحياة السياسية في مرحلة الانتخابات النيابية.
الحقيقة ان ما بدا تحوّلاً جذرياً ليس سوى محطة في رؤية سياسية بدأها سليمان فرنجية الجد، حين اعلن خيارا مارونيا واضحا بالتحالف مع سوريا، في وقت كانت الاكثرية الشعبية المارونية ملتفة حول الخيار النقيض الذي مثّله بشير الجميل. وقد تابع هذا الخط مسيرته، وعقدت زعامته لايلي حبيقة، في "الاتفاق الثلاثي" الذي ولد ميتاً. اي ان الخيار العوني الذي يبدو جديدا، ليس سوى استكمال لخيار بدأ من زمان، وتتابعت فصوله وصولاً الى ما مثّلته اللحودية من تبعية مطلقة.
يفترض هذا الخيار تموضعاً سياسياً جذرياً بالنسبة الى الطوائف اللبنانية الثلاث الكبرى. ففي حين قام التطبيق السوري لاتفاق الطائف على معادلة اقتسام السلطة بين السنّة والشيعة وتهميش الموارنة، فإن علامات المرحلة الجديدة، تنبئ بتحالف ماروني – شيعي يرتكز على عون و"حزب الله"، يهمّش السنة، او يضعف نفوذهم السياسي. هذا المعطى ليس وليد عبقرية الطوائف اللبنانية في اعادة رسم الخريطة السياسية، بل جاء نتيجة تحوّل اقليمي كبير تجسّد في انهيار التحالف السعودي – السوري، الذي قدّم الغطاء للشكل الذي اتخذته الوصاية السورية خلال خمسة عشر عاما. تجسد انفكاك التحالف في تغيير سياسي حدث في سوريا اولا، عبر ابعاد خدام والشهابي، ووصل الى ذروته مع "انتحار" غازي كنعان. وكانت انعكاساته اللبنانية كبيرة، من القرار 1559 الى اغتيال الحريري، الى انتفاضة الاستقلال، الى مسلسل الاغتيالات، الى حرب تموز، الى اعتصام رياض الصلح.
امسك الجنرال بالاحباط المسيحي في الحقبة السورية، كي يأخذه الى سوريا! اي ان "التيار الوطني الحر"، بعد انتصاره "الطائفي" الكبير على التحالف الرباعي في المناطق المسيحية، التقط الاشارات الاقليمية الجديدة، وانعكاساتها اللبنانية، وقرر ان يذهب الى "ورقة التفاهم" والى تحالف ثنائي، عبّد له الطريق الى دمشق.
سخر الكثير من المعلّقين على الطابع "الديني" للزيارة، التي توِّجت بالقداس الذي اقيم على ضريح مار مارون في نواحي حلب. وفاتهم ان هذا هو جوهر الزيارة. انها اعلان تحالف الاقليات في وجه الاكثرية. النظام السوري يعرف انه يستطيع استغلال الحماقة الاميركية في العراق الى اقصى الحدود وخصوصا بعد الكارثة الشاملة التي اصابت المسيحيين في بلاد الرافدين، وهجّرتهم من ديارهم. الرسالة واضحة، ولا تحتمل التأويل: إما الخيار السوري وإما العراق، فماذا تختارون؟
اللعبة بالغة التعقيد، انها جزء من التسوية التي يسعى النظام السوري الى ابرامها مع الادارة الاميركية الجديدة ومع اسرائيل. النظام السوري يعرف ان القوة العارية التي يمتلكها "حزب الله"، لا تستطيع ان تنصرف سياسيا من دون غطاء. لذا يريد الجنرال، كزعيم طائفي هذه المرة، ان يقبض الثمن، وان يصير شريكا في السلطة. هذه هي اللعبة الجديدة. وهي لا تزعج احداً. فبعدما عبثت الطائفيات اللبنانية بالافق الاستقلالي الذي صنعه الرابع عشر من آذار، لم يعد احد في العالم راغبا في الاكتراث بالوضع اللبناني، الا في وصفه مصدراً للقلق.
لا شك ان "التيار الوطني الحر"، التقط الرسالة. وهي رسالة بدأت تباشيرها بعد ايام من اندلاع حرب تموز، حين راح صحافيون وجنرالات اسرائيليون سابقون، يطالبون بفتح الحوار مع سوريا.
الاسرائيليون يعرفون من تجربة حرب لبنان الاولى 1982، انهم عاجزون عن تحقيق اهدافهم بوسائل عسكرية. اذ لم تُطرَد منظمة التحرير فعليا من لبنان، الا بعد خروج ياسر عرفات من طرابلس، وبعد حرب المخيمات الدموية. لا شك ان المثقفين العونيين، وبعضهم كان استاذا جامعيا و"ضليعا" في السياسة الاميركية وثوابتها ومتغيراتها، التقطوا الاشارة مبكرين، وقرروا التعامل بـ"واقعية" مع الواقع المستجد.
فتح هذا الواقع البازار الطائفي، ودخل لبنان في مشروع تموضع طائفي جديد.
التحالف الجديد الذي استكمل شكله الاستعراضي في دمشق، يملك عنصري قوة كبيرين:
العنصر الأول، هو ضعف او التباس الخيار السياسي للخصم. اذ لم يجد الكتائبيون سوى لغة العودة الى الفيديرالية. وهي وصفة للانهيار والهجرة. كما ان قوى الرابع عشر من آذار تبدو عاجزة عن بلورة رؤية استراتيجية مضادة، حول لبنان، وحول المنطقة. فالقيادة السعودية – المصرية لتحالف ما يسمّى باسم معسكر الاعتدال العربي، اثبتت عجزها عن مواجهة التعنت الاسرائيلي بخيار حقيقي، وتركت الفلسطينيين الى مصيرهم.
لغة الاصطفاف الطائفي التي عبّرت عن نفسها، من خلال الرد على اقتراح عون في دمشق بتعديل الطائف، لا تدل الا على قصر النظر. فالتعديل ليس سوى مشروع تعبئة انتخابية، والسقوط في حبائله، لن ينتج منه سوى مزيد من الاستقطاب، دفع وسيدفع بعض قوى 14 آذار المسيحية الى العودة الى التذكير بمآثر الحرب الاجرامية.
العنصر الثاني، هو استناد هذا التحالف الى قوة عسكرية ضاربة من جهة، والى قدرة حلفائه على تهديد الخصوم. انتخابات ديموقراطية، ومسدّس مصوّب الى الرأس، ومن لم يتعظ باغتيال من اغتيل، فعليه ان يفكّر مئة مرة قبل ان يجرؤ على تحدي الارادة السورية الجديدة.
غير ان التحالف الجديد يملك ايضا نقطة ضعف قد تكون قاتلة. هي انهيار شعارات السيادة، امام شعارات طائفية لا مكان لها الا في ظل الوصاية. هل ينجح الجنرال حيث فشل فرنجية وحبيقة والهراوي ولحود؟ ام تستنكف الكثير من قواعده عن المشاركة في العملية الانتخابية؟
هل عادت بنا الأيام الى عهد الاقليات المذعورة، التي تطلب حماية والي الشام، كما في المرحلة العثمانية الأخيرة؟
وهل فقد شباب لبنان وشاباته الأمل في وطن ديموقراطي ومستقل، يحفظ كرامة الانسان في وصفه مواطناً؟