حصاد الشوك في طريق الجنرال عون .. تائبا إلى دمشق (2 من 2)
بقلم الطاهر إبراهيم (كاتب سوري): تعرضنا في الجزء الأول من هذه المقالة إلى الخلفية التي لمع فيها اسم الجنرال ميشال عون. وكيف أن الرئيس اللبناني السابق "أمين الجميل عينه, في ربع الساعة الأخير لولايته, رئيسا للحكومة جنبا إلى جنب حكومة سليم الحص. وتابعنا مع عون مسيرته رئيسا للحكومة, ثم متمردا على "اتفاق الطائف", ثم رافضا لرئاسة إلياس الهراوي ثم داخلا في حرب مع "القوات اللبنانية", ثم ضد الجيش السوري في نوفمبر 1990 الذي حاصره في قصر بعبدا, ما اضطره إلى اللجوء -تحت كثافة نيران الجيش السوري- للسفارة الفرنسية, ثم منفيا إلى باريس, حيث عاد إلى لبنان بعد استشهاد الرئيس رفيق الحريري وقيام "ثورة الأرز", ودخل الانتخابات التي جرت صيف عام 2005, وحصل حزبه على أكثر من 20 مقعدا. في هذا الجزء نتابع مسلسل قراءاته الخاطئة في مقارباته السياسية بعد عودته إلى لبنان.
وكانت رابع قراءته الخاطئة أنه عندما عاد إلى بيروت, بعدما اضطر الرئيس بشار أسد أن يسحب الجيش السوري من لبنان. وهنا كان يحق للجنرال عون أن يعتبر أنه سدد جزءا من ثمن إخراجه المهين من بيروت, لو أنه قرأ المتغيرات اللبنانية قراءة صحيحة, لكن الجنرال أكمل قراءته للحدث بشكل خاطئ. فإذا كان قد رجع إلى بيروت رجوع المنتصر على من أخرجه, فإن الفضل في عودته يرجع إلى استشهاد الرئيس رفيق الحريري, وتعاظم "ثورة الأرز" التي فجرها اللبنانيين, ما أرغم لحود على توقيع مرسوم العفو عنه من منفاه في باريس وإطلاق سراح سمير جعجع من السجن. وكم كان العماد عون ناكرا للجميل, عندما لم يحفظ للشهيد الحريري حق دمه الذي بفضله عاد إلى بيروت.
وإذا كان الفضل في التفاف الشارع المسيحي حول ميشال عون في انتخابات صيف العام 2005, فحصد معظم مقاعد الموارنة النيابية, مرده إلى هجومه على النظام السوري وهو في المنفى في باريس, لكراهية المسيحيين للوصاية السورية, فإن خامس قراءات العماد الخاطئة كانت تحالفه الخطأ -في نظر المسيحيين- مع حسن نصر الله, حليف سورية الأهم في لبنان, بعد أن وجد نفسه معزولا عن الحكم في لبنان. وقد اعتبر المراقبون أن عون – بهذا التحالف- إنما وضع يده بيد حافظ أسد -الذي أرغمه على اللجوء إلى سفارة فرنسا, منفيا في باريس- وهو في القبر. وما كان له أن يفعل ذلك, لو أنه قرأ الخارطة اللبنانية والإقليمية -في العشرية الأولى من القرن الحالي- بشكل صحيح.
وسادس قراءاته الخاطئة, أنه اعتبر مهرجان الصلح الذي أقيم له في دمشق يوم 3 ديسمبر الجاري إنما هو "تبويس شوارب" مع الرئيس السوري فقط, ويعود كل شيء إلى ما كان عليه الأمر من قبل. وسيعود إلى لبنان وقد عقد صفقة انتخابية مع النظام السوري يعتبرها اتفاقا تكتيكيا لا يغير من سعيه للانتقام لنفسه ممن أخرجوه ممن لبنان, وهو يهمس في أذن نفسه بقول الشاعر:
"وقد ينبت المرعى على دمن الثرى
وتبقى "حزازات" النفوس كما هيا"… يبقى أن العماد عون لا يستمع دائما إلا إلى صوت نفسه. ولو أنه تخفى ونزل إلى الشارع المسيحي, يسأله عما إذا كانت تصرفاته وتحالفاته تلقى قبولا, لسمع ما لا يسره مسيحيا وانتخابيا.
أما سابع قراءاته الخاطئة, فهو جهله المركب بالنظام السوري, فربما يظن أنه ضحك على ذقن "النظام, وإنه يوم يصبح العماد رئيسا للجمهورية اللبنانية فإنه سينتقم لأيامه السوداء التي عاشها في سفارة فرنسا في بيروت, وليالي المنفى الصعب في باريس, بعد أن كان جنرالا, "قد الدنيا" يخطر في شوارع بيروت يدل بموقعه من اللبنانيين.
لقد جهل الجنرال أن الحكم السوري أستاذ في الصفقات, ليس عنده شيء محرم على البيع. باع حزب "البعث العراقي" بل والعراق من واشنطن ليدوم له حكمه. وكأني بالرئيس بشار أسد ينطق بلسان أبيه الراحل حافظ أسد وهو يتمثل بقول المثل: "ما إلَكَ صاحب إلا من بعد قتلة". ثم يكمل بلسان أبيه: لقد علمت أن عون سيأتي إلى يوما ما, صاغرا, ولو بعد حين.
أما لسان حال السوريين واللبنانيين, فإنهم يوم رأوا هذا الاستقبال الصاخب, الذي أقيم للجنرال في دمشق, والضحكات المتبادلة بين العماد والفريق أول, فإن اللبناني قال: "إن الجمل ببال والجمال ببال". أما السوري فقد ابتسم وقال في مرارة: "كلٌ يضحك على ذقن صاحبه".
* قتلة: ضرب الخصم ولي ذراعه.