#dfp #adsense

أكرمان

حجم الخط

"أكرمان"…

لم يحمل غاري أكرمان ووفد الكونغرس الأميركي الى لبنان في الأسبوع الماضي يا إخوان، إلا موقفاً منتظراً… ومعروفاً قبل انتخاب باراك أوباما. وهو موقف سبق أن سمع وتابع بعض تفاصيله كثيرون من المهتمين بالشأن اللبناني خصوصاً وأزمة المنطقة عموماً، خلال الحملة الانتخابية الرئاسية للمرشح الديموقراطي وحزبه.

المسألة على وضوحها، استوجبت إعادة التوضيح، فكثرت الإشارات في هذا السياق أخيراً، من كلام أكرمان نفسه، الى مارتن أنديك قبله، الى مصادر معلومات نقل كلامها وتحليلاتها الى بيروت إعلامٌ محلي موثوق ودقيق.

رغم التفاصيل الكثيرة، الخاصة بأفق العلاقات مع سوريا وإيران وأزمة الشرق الأوسط بالإجمال، فإن لُبّ الموقف الأميركي غير المتغيّر، مع تغيّر الإدارة وصنّاع القرار في البيت الأبيض ووزارة الخارجية هو عدم التراجع عن سياسة خاصة بلبنان… أي عدم التراجع عن اعتباره دولة قائمة بذاتها وليس ورقة مساومة، فيه سلطة شرعية، ملتبسة الى حد ما، لكنها قابلة للتطور وغير قاصرة للحديث عن نفسها ومصالحها، وبالتالي لا حاجة للعودة الى الحديث عنها وعن شؤونها مع "الوصي" المعروف إياه.

لم يقدم الأميركيون سابقاً ولا يقدمون راهناً اللبن والعسل للبنانيين ودولتهم. ولم يترجموا، في كل الحالات، حجم كلامهم الداعم لسيادة بلدنا واستقلاله وحريته، بخطوات عملية توازي ذلك الكلام وتترجمه واقعياً، لا في الشأن المتصل بالنزاع مع إسرائيل، ولا في الشأن المتصل بتسليح الجيش اللبناني بأسلحة متطورة على سبيل المثال… لكنهم قدموا في واقع الحال، موقفاً هو أقصى الطموحات الواقعية الجالسة على الأرض: الكف عن اعتبار لبنان دولة فاشلة (حتى لو لم يُعلن ذلك)، والكفّ عن اعتباره مسرحاً للمساوَمَة على قضايا أكبر منه، ومناطق أوسع مدى وأكثر تأثيراً بالمصالح الأميركية في المنطقة، والكفّ عن اعتباره رصيفاً تلقى فيه وعليه كل بضاعة زائدة عن حل النزاع العربي ـ الإسرائيلي.

قالت واشنطن في السنوات الأربع الماضية كلاماً أكبر من أفعالها بكثير، لكنها التزمت، بفعل إرادة الاستقلاليين اللبنانيين أولاً وثانياً وثالثاً، تلك السياسة "الثابتة" في خطوطها العريضة… وفي بعض تفاصيلها، رغم كلفتها، مثل دعم المحكمة الدولية وعدم الدخول في أي نقاش للتأثير عليها سياسياً. وكثيرون من أهل الممانعة وادعاءات الصمود يعرفون قبل غيرهم، وأكثر من غيرهم، أن ثمن الموقف الأميركي المضاد لقيام المحكمة كان سيعني الكثير الكثير للجنود الأميركيين المنتشرين في العراق، ولعروض التعاون في ما يُسمى مكافحة الإرهاب، وغير ذلك من قضايا يفهم فيها أهل البازار في نظام الشقيقة أكثر منّا بكثير.

طبّل كثيرون يا إخوان، لمجيء إدارة أميركية جديدة، وهذا حقهم الطبيعي، لكنهم في الشأن الخاص بلبنان، عرفوا الحقيقة وطمسوها، وعرفوا الخط العريض وزوّروه… والواقع المرير يفيد أن جماعة الممانعة يعرفون أن أي موقف دولي أو إقليمي عربي وغير عربي، يقر بسيادة لبنان وحقه في تقرير مصيره بنفسه، هو في أول المطاف وآخره، يعني البلد كله، لا نصفه ولا ربعه، وأن أحداً لا ينزعج حتى الفجور من ذلك المعطى، إلا النظام السوري.. وإسرائيل شريكته في الكيد للبنان وأهله وصيغته ونظامه وطبيعته.

يعرف جماعة الممانعة والصمود بالشعارات، أكثر من هذا بكثير، ومع ذلك فإن هوايتهم المفضلة تبقى تفضيل الشقيقة وبازارها على وطنهم المهشّم بفعل سياسة تلك الشقيقة و"صمودها" فيه ليس إلا، و"ممانعتها" عبره وحده ليس إلا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل