محقق في لجنة التحقيق الدولية: قتلة الحريري مسؤولون سوريون
جزم محقق دولي أنهى أعماله في لجنة التحقيق الدولية منذ فترة وجيزة بأن التحقيقات التي أجرتها اللجنة في ظل رئاسة القاضي البلجيكي سيرج براميرتز عمّقت النتائج التي كانت توصلت إليها عندما كانت برئاسة القاضي الألماني ديتليف ميليس ونشر بعض ملامحها في تقرير لجنة التحقيق الصادر في تشرين الأول 2005، مؤكداً أن النظام السوري هو من يقف وراء اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
وكشف تقرير نشرته مجلة "ذي أتلانتس"، في عددها الصادر هذا الشهر، للمرة الأولى، الأسباب الحقيقية لعدم قبول ميليس بتجديد ولايته، والخلفية التي دفعت برامبرتز إلى التشكيك بأعمال ميليس قبل أن ينتهي إلى تأكيدها من خلال تعميق الأدلة الموصلة إليها.
وتقرير "ذي أتلانتس" الذي قاد كاتبه إلى عقد لقاءات مع شخصيات لم يسمها في مقر لجنة التحقيق الدولية في المونتيفردي، جزم بأن النظام السوري هو من يقف وراء اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، مشيراً الى أن الأدلة المتوافرة في الملف تُثبت مسؤولية الرئيس السوري بشار الأسد وأفراد من أسرته .
وطرح التقرير أسئلة عما إذا كان تغيير سلوك الأسد في المنطقة ودخوله في مفاوضات مع إسرائيل و"عقدة العراق" التي ضربت الإدارة الأميركية يمكن أن تقود إلى صفقة على حساب المحكمة الدولية التي باتت أسماء متهميها معروفة لدى القاضي الكندي دانيال بلمار.
وفي حين نقل التقرير أجواء من الأمم المتحدة تُعزّز الشكوك بالمستوى المسموح للمحكمة أن تصل إليه باتهاماتها الموجهة إلى النظام السوري، بفعل الخوف الأميركي من "عراق جديد" وخوف إسرائيل من سقوط هذا النظام ووصول حكم جديد يفتح جبهة الجولان ويتواصل عسكريا مع "حماس" في فلسطين المحتلة، فإن الأجواء الإيجابية صدرت حصراً من قريطم حيث نقل رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري تأكيدات الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي الحاسمة بأن المحكمة فوق كل الصفقات، الأمر الذي شدد عليه مراراً وتكراراً المسؤولون الأميركيون في حين تخوف رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط في التقرير من حصول صفقة لحفظ ماء وجه الأسد، على غرار ما حدث قي لوكربي.
بداية ،لماذا ترك ديتليف ميليس رئاسة لجنة التحقيق الدولية ؟
وفق "ذي أتلانتس" التي التقت ميليس في ألمانيا، فإن هيئة الأمم المتحدة هي التي دعت ميليس لأسباب أمنية إلى مغادرة لبنان وقال له المسؤولون فيها إنه لا يستطيع المكوث لفترة أطول، بسبب وجود تهديدات محددة أبلغته إياها المنظمة الدولية، وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية .
ويقول ميليس إن المسؤولين الأمميين عرضوا عليه أن يقود لجنة التحقيق الدولية من مقر يقيمه في أي بقعة يراها مناسبة خارج لبنان، ولكنه رفض لأنه شعر بأنه لا يستطيع أن يدير تحقيقا بواسطة "الريموت كونترول" .
ولكن لماذا شكك براميرتز بالنتائج التي توصل إليها ميليس، على الرغم من أن الأخير هو من رشحه لخلافته ؟
يقول التقرير نقلا عن المصدر الذي ترك لجنة التحقيق الدولية منذ أشهر قليلة بعدما انتهى العقد معه بانتهاء أعماله، إن من عادات الأمم المتحدة دائما أن تفصل السلف عن الخلف بزرع أسباب الشقاق بينهما، وهذا ما وقع به براميرتز.
وبالنسبة إلى المصدر، فإن براميرتز شكك بنتائج ميليس لأنه كان يُعرب عن مخاوفه من أن يكون ما قاد ميليس إلى استنتاجاته هو نظرته السلبية إلى النظام السوري، كما اعتماده على شاهد "مشكوك" به هو زهير بن محمد سعيد الصديق، ولذلك أعاد كل التحقيقات من نقطة الصفر، فجرد مسرح الجريمة، ونظر في كل الإفتراضات التي قال بها رافضو نتائج ميليس بما في ذلك فرضية أن يكون تنظيم "القاعدة" هو من اغتال الحريري، ولكنه، وبأسلوب مختلف أبعده كليا عن الإعلام، بعدما تأكد أن الملف ذاهب إلى محكمة دولية حيث المعايير دقيقة للغاية، وبعدما أدرك أن آلة القتل لا تزال فاعلة بقوة في لبنان، توصل إلى النتائج التي كان توصل إليها ميليس ولكن مع فارق وحيد وهو أن براميرتز عمّق هذه النتائج .
وينقل التقرير عن السفير الأميركي السابق في لبنان جيفري فيلتمان أن كائنا من كان اغتال الحريري فإنه فعل ذلك لإيجاد هوّة في السياسات اللبنانية، لم تردم بعد اغتياله. كما ينسب إلى الصحافي البريطاني المقيم في لبنان نيكولاس بلاندفور، مؤلف كتاب "قتل السيد لبنان" قوله إن القيادة السورية نظرت إلى الحريري على أنه رجل سني يتمتع بالقوة والثروة، مما أثار الرعب في نظام أقلوي (عائلة الأسد العلوية ).
ووفق التقرير، فإن أي دولة لن تستطيع أن تمنع المحقق دانيال بلمار من الوصول إلى النتائج التي ستتوافر لديه أدلة حولها، لأنه يتمتع باستقلالية عالية وبنزاهة كبيرة، وهو لن يسمح لا للولايات المتحدة الأميركية ولا لفرنسا أن تغيّر المسار الذي سترسمه الأدلة. ووفق مصدر دبلوماسي غربي، فإن بلمار مؤمن بأن القطار انطلق وهو لن يتوقف إلا عندما يصل إلى مبتغاه.
وإذ يشير الى نفي وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس عرض صفقة تقدم بها الملك الأردني عبدالله الثاني من أجل منح بشار الأسد حصانة مقابل تغيير سلوكياته، فإن التقرير ينقل عن أحد العاملين في الأمم المتحدة تأكيده أن المحكمة لن تتمكن من الإنطلاق، وهو قال لكاتب التقرير في نيويورك: ستواجه المحكمة مشاكل مالية، وأخرى في جلب المتهمين إلى قوس المحكمة، فهذا سيختفي وذاك سيقتل، وهذا سيتهم بالكذب، وبالنتيجة فإن المحكمة لن تُنجز شيئا."
إلا أن النائب الحريري يؤكد في التقرير أن العدالة سوف تتحقق.