خطاب يطغى عليه الطابع الطائفي… وانكفاء لافت للمستقلّين
الحركة الانتخابية تتصاعد وسط اتجاه إلى "التجديد" في اللوائح
يبدو اضحاً ان كل ما يجري هذه الايام "انتخابات"، وأن الانتخابات النيابية بدأت باكراً هذه المرة، ونشطت الجولات المنظمة للنواب واعضاء ماكيناتهم الانتخابية. ولعلها المرة الاولى يتعامل فيها الجميع مع الانتخابات المقبلة على اساس انها "مفصلية" و"مصيرية" ويتوقف عليها مستقبل البلاد. ويعزز هذا الاعتقاد خطاب سياسي كثيف وبوتيرة شبه يومية، واسوأ ما فيه في معظم الحالات، انه خطاب طائفي بحت، مهما حاول اصحابه، وان نادراً، تغليفه خجلاً بغطاء "وطني". فمواسم "العز" الانتخابية هذه الأيام للطائفية والمنطق الطائفي واستنهاض الهمم وفق هذا المنطق الذي "يطيّف" كل شيء حتى الرغيف!
واسوأ ما في الخطاب السياسي عند البعض، انه استفزازي وغالباً ما يصيب مشاعر الناس البسطاء العاديين – وهم الكتلة الاساسية الناخبة – والمطلوب منهم وفق الخطاب المذكور، أياً يكن مصدره، التصفيق اولاً و"البصم" على كل شيء، ورفض اي مساعدة ومن اي جهة اتت ثانياً، ورفض "الزفت الانتخابي" ثالثاً محافظة على "العفة" التي يكثر التغني بها في مواسم الانتخابات ودرءاً للمغريات! وهي تصبح مشروعة ومقبولة حسب تصنيفها وطبيعة مصدرها وهويتها. فإذا كانت من "الفريق الآخر" فهي من المحرمات. واذا كانت من خلال دعاة رفضها، فهي حلال… و"حلال جداً" !
وأياً يكن الموقف منها، فإن في الاحتكام اليها والزج بها في الصراعات الانتخابية استفزازاً مباشراً لمشاعر الناس المحتاجين والمستفيدين منها، ولا سيما عندما يتهم اصحاب الخطاب المذكور هؤلاء الناس بالرشوة الانتخابية وإن كان "الزفت"، وللتذكير، هو من "كيس" المواطن وليس منّة من احد، وإن كانت المساعدات خارجية المصدر وغير "مرشحة" للانتخابات في لبنان!
وسط هذه الأجواء سيكون من المفيد جداً ادخال الاهتمام بالشؤون الاجتماعية والانسانية في صلب المنافسة الانتخابية، ولا بأس اذا تسابق "كبار القوم" و"اسياد اللوائح" على تقديم المساعدة للناس لا على دعوتهم الى رفضها ومهاجمة مصادرها. وفي اوساط البسطاء و"الدراويش" كلام كثير على النتائج الناجمة عن الصولات والجولات والخطب الرنانة، وعما هو منتظر بعدها. وليس كل هذا الكلام تصفيقاً بل انه يتضمن الكثير من الغضب وفي اكثر من اتجاه…
واللافت في المشهد الانتخابي، اقله حتى الآن، عدم بروز تحركات لمرشحين من خارج "النوادي" القائمة واللوائح المحظوظة. ويُخشى مزيد من الانكفاء لدى المستقلين، وهذا ليس دليل عافية على الاطلاق، مع الإشارة الى "معلومات" اولية عن اتجاه بعض الاقطاب ورؤساء اللوائح الى تطعيم مرشحيهم للانتخابات بوجوه جديدة، كجزء من حركة تغيير قد لا يعوّل عليها بقدر التعويل الممكن على مستقلين يساهمون فعلاً في تجديد الحياة السياسية، وهؤلاء بدأوا يتعرضون لهجوم من رافضي مبدأ "الاستقلالية"، ومن المستغرب ان بعضهم يعتبرها موجهة ضده! مع العلم ان بين الأقطاب كثيرين ممن هم "مرتاحون الى وضعهم" ولا مشكلة لديهم، وبعضهم من المتحمسين للتغيير. ومن المبكر الخوض في الاسماء التي يفترض ان تبدأ بالظهور تباعاً مع اقتراب موعد الانتخابات.
ويبدو جلياً وفق الخريطة الانتخابية، ان المعارك الحقيقية ستكون محصورة تقريباً في بعض دوائر جبل لبنان اكثر بكثير من العاصمة وبعض المناطق، وليس سراً ان دوائر كسروان وجبيل والمتن ستكون في "الواجهة"، وان رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون يخوضها "معركة مصير" موحياً سلفاً ثقة بالنتائج لمصلحته.
وفي النهاية سيكون على الجميع احترام نتائج الانتخابات وقبولها أياً تكن. ويصح في اللبنانيين اكثر من اي وقت مضى، وفي كل المناطق، القول: “كما تكونون يولّى عليكم" لأن الانتخابات في المبدأ، هي انعكاس مباشر لارادتهم ومشيئتهم – بالطبع اذا كانت انتخابات حرة ونزيهة – وسيكون لمن يختارونه الحق في الحديث عن "حصرية" التمثيل، وان يكن مشكوكاً سلفاً في دقتها، في غياب قانون عادل للانتخابات، يكون مبنياً على اعتماد النسبية اساساً له، اذ لا يعقل تجاهل نتائج في بعض المناطق، يحصل فيها غير الفائزين على 49 في المئة من الاصوات!
واذا كان بعض الاقطاب السياسيين، وفي طليعتهم رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط، يكررون ان نتائج هذه الانتخابات ستقرر المصير السياسي للبلاد، فاللافت ان بعض المنادين بـ"الديموقراطية التوافقية" يتحدثون بلغة مختلفة في حال جاءت النتائج لمصلحتهم وحصلوا على الاكثرية في الانتخابات المقبلة. وبعض النواب في تكتلاتهم بدأ يتحدث عن قرارات مصيرية مهدداً بالويل والثبور وعظائم الامور!
والواقع انها ستكون انتخابات مميزة فعلا، نظراً الى التطورات الدراماتيكية المتسارعة والتقلبات التي شهدتها ولاية المجلس الحالي للنواب على كل الأصعدة الامنية والسياسية، محلياً واقليمياً، وكذلك بالنظر الى الاهمية القصوى التي يعلقها الجميع على نتائج الانتخابات، وان يكن بعض التواضع يدفع الى التذكير بالمؤثرات الاقليمية والدولية التي من المكابرة تجاهلها، ولا سيما في القضايا المصيرية حقاً، لا في تلك المحلية الضيقة المحصورة بحسابات شخصية وطموحات انتخابية، والتي يصور اصحابها للناس ان عليها وعليهم يتوقف المصير الوطني!
وفي غياب البرامج الانتخابية الواضحة، سيبقى الإحباط سيد الموقف عند المراهنين على تغيير حقيقي.
وأما الوضوح في البرامج، فأول ما يتطلب القليل من التواضع واحترام عقول الناس، ومن الجميع وإن بنسبة متفاوتة!