حين يسبق الشعب حكّامه
نلاحظ أحياناً أن الشعوب تسبق حكّامها، وبدلاً من أن يصير الزعيم أو المسؤول أو حتى الحاكم قدوةً للناس، فإننا نجد العكس حيث الناس يصيرون قدوة للمسؤولين.
النموذج اللبناني هو أصدق مثال على ما نقول شعبٌ حيوي يصنع من الضعف قوة في مقابل دولة المسافة بينها وبين الإهتراء ليست شاسعة.
مَن يراقب حركة الناس لا يُصدِّق أنّهم أبناء بلدٍ لم يعرف إستقراراً منذ نصف قرن:
حركة كثيفة في الشوارع، حجوزات الفنادق وصلت إلى نسبة مئة في المئة، روّاد المطاعم يجهدون لحجز طاولة، حركة البيع والشراء مرتفعة.
* * *
قد يُقال إنّ ليس هذا هو الإقتصاد وإنّ معايير الدورة الإقتصادية لا تقوم على طاولة في مطعم أو غرفة في فندق، هذا كلامٌ صحيح لكن الإقتصاد هو شيء من كل، وما يجري في البلد اليوم هو هذا الشيء الذي يُوصِل إلى الكل.
* * *
ما نتحدَّث عنه إلى الآن هو من صنع الناس ولا دخل للدولة فيه، ولكن أين دور الدولة في ملاقاة الناس؟
حتى الآن خطواتها خجولة فإنعاش المؤسسات هو كإنعاش المريض في غرفة العناية الفائقة، يحتاج الأمر إلى سرعة، فالتوقيت أساسي في هذا المجال، والجدل تحت شعار (المزيد من الدرس) من شأنه أن يقتل المريض وإستطراداً المؤسسات، بهذا المعنى لا يُعقَل أن ننتظر ستة اشهر للإفراج عن إسم رئيس مجلس القضاء الأعلى أو رئيس مجلس شورى الدولة، كما لا يُعقَل أن ننتظر المدة ذاتها للإفراج عن سائر التشكيلات القضائية.
وما يُقال عن القضاء يُقال أيضاً عن سائر الإدارات والوزارات والمجالس والأجهزة، أن البلد لا يستطيع إنتظار أن يتوافق الرؤساء والزعماء للإفراج عن التعيينات وملء الشواغر، فالدولة هي لخدمة الناس وليست في خدمة هذا الزعيم أو ذاك مهما علا شأنه وإرتفعت مسؤوليته.
* * *
إن شهر الأعياد، على رغم كل حيويته، ليس هو مقياس الإقتصاد، ويجب أن يؤخذ في الحسبان أن السنة الجديدة سترث عن السنة التي إقتربت من الرحيل مصاعب إقتصادية هائلة، وهنا يُفتَرَض بالحكومة أن تواكب الآتي من المصاعب لئلا يكون كانون الأول (شهر العسل) الوحيد واليتيم لتأتي بعده الشهور العجاف.