الـقـضـيـة في الإرث
القضية كانت في الارث. والمسألة ليست في ان تكون، بل في من تكون. والارث حكم مسبق وطريق فسيح، لكنه مستقيم.
فعندما ترث "النهار" في جيلها الثالث، لا ترث مهنة بل مهمة، لا تُعطى المنطلق الذي يُعطاه الورثة في المهن الاخرى، بل التحدي. ليس التقليد، بل التطوير. ليس مخزن الحبر، بل خزنة الدروع، وعلبة الاوسمة، ودفتر الصور العائلية، من جد الى اب، ومن مواجهة الى مواجهة، ومن سجن الى سجن، حتى تكاد صور دخول السجن والخروج منه، توضّب تحت عنوان: أفراح العائلة.
ولد جبران تويني تحت البرج الاضافي: برج الاحرار والطيبين، وحسان الوجوه، وباسطي القلوب. ومات تحت هذا البرج. لا يصدق ان الجريمة لا تعرف المحبة، ولا تطيق الحوار، ويخيفها نور الحرية.
اراد ان يتقدم جيله من المتنورين، كما فعل جبران الجد، وكما فعل غسان الاب طوال ستة عقود وتزيد. ومثلهما ادرك باكرا فلسفة الضوء: اذا كان امامك انار دربك، واذا كان في عينيك اعماك، واذا كان خلفك تراءى ظلك عليه متكسرا ومضحكا. النور لأن ينير، وليس لأن يعمي. لذلك عملت "النهار" سبعة عقود في سبيل الحرية، من غير ان تضع الحقيقة خلفها. وأعلت صوتها من غير ان تسفُل بكلماتها. وكثرت آدابها واخلاقها فيما اغوى السقوط الصغير ذوي الافئدة الضيقة، ورفاق الدروب المتعرجة والقصيرة.
كان كازامايور يقول (1972): "امتدح القوي، أهِن الضعيف، وسوف تبني جسرا الى الثروة".
لم يحدث في تاريخ "النهار" ان اهانت ضعيفا، او استقوت عليه. دأب الحفيد كدأب الجد، كدأب الاب، مهمة لا مهنة. والاسلوب. واما الاسلوب، فهو ان يعكس اولا تربية البيت لا تنشئة الجريدة.
كانت الحياة امامه كتابا مفتوحا، وعريشة ابتسامات يعتقد انها رباعية المواسم. يقطف ويعطي. يسقي ويوزّع. يصلي ويخرج الى الحياة كأنما القتل سيد من مكارم الاخلاق. عاش يقدس امسه، ويعشق تراثه حتى نسي ان في هذه الدنيا شيئا يدعى الغد. ظن الغد امدا طويلا، جميلا، لا يمكن القتلة ان يقبضوا عليه. او على الاقل اعتقد انهم لن يفجروه قبل ان يكون قد اتصل بالزميلة "وردة" وسألها عن لائحة المحتاجين ذلك الصباح. وكان يساعد من ديونه ويُحسن من ديونه. ويدمع من ديونه. ويعامل الديون كما عامل الثروات: وسيلة الى محبة الناس، والارض والجمال، والتسامح، والتواضع، والترفع، والضعفاء.
في طبيعة الارث، ان المؤتمن لا يمكن ان يكون عضوا في كورس. دع الفرقة تردد. انت، عليك ان تملأ المكان. انت الصخرة. لكن اياك ان تكرر ما فعله بطرس. فكلما صاح الديك طلع "النهار". وكلما طلع "النهار" نادى على الضوء بصوت عال. سبعون عاما و"النهار" ينادي على صباح الجمهورية وطرائقها، واصولها، ورجالها، ورموزها، واهلها. حرّ من يسمع، وحرّ من يستغرق في النوم، واحرار عشاق العتم وتمادي الليل.
كنت اكتب ذلك النهار عندما قالت لي زوجتي ان ثمة انفجارا وقع. واكملت الكتابة. ثم عادت بعد قليل وقالت يقال ان شخصية اعلامية استهدفت. واكملت الكتابة. ثم عادت متلهفة ومستنكرة وقالت، من تعتقد يكون؟ فقلت لها، لا ادري. لقد سئمنا العد. وسئمنا كتابة المراثي، وسئمنا هذه الاستباحة لنادي الصيد البشري.
وعدت انا الى الكتابة فيما عادت هي الى التلفزيون وملحقاته وصوره. وعندما عرفت لم ترد ان تقول لي، فقد كانت تعرف ان جبران تويني بالنسبة الي ليس "الشخصية الاعلامية التي يقال انها هدف التفجير"، بل هو الشاب الذي لم اناده يوما الا "غابي"، كما عرفته في العاشرة، او دونها. وعرفت انه لن يكبر، ليس بسبب قاتله، بل بقرار ثابت منه. سوف يظل يتطلع الى هذا العالم من طيبته، وعفويته، وحماسته، وسعة قلبه، وحبه العظيم للحياة وعلاماتها الكبرى: الارض والجمال وبسطاء الارض.
كان، بعفويته، وطيبته، ووسامته، وامارته، يزين الامكنة التي يحل فيها. زيّن الصحافة، وزيّن البرلمان، وزيّن التظاهرات التي تقدمها، أولا وأخيرا. وكان في كل مكان أملا بغد المكان. في الصحافة نقل "النهار" الى عصر "تايمس سكوير" في نيويورك، وفي البرلمان اعاد البرلمان الى عصر ريمون اده وكمال جنبلاط. وفي التظاهرات دقت له قلوب الشباب الذين لم يودعوا احدا مثلما ودعوه. لقد رأوا في اغتياله هجوما على الزنابق من الاعناق ومن الجذور.
لم يكن يحلم. كان هو الحلم. يعمل كحلم. ويعيش كحلم، ويسابق الحياة الى الحلم، محاولا ان يتجاوزها الى ما هو اهم منها. والى ما هو أهنأ منها. والى ما هو اعذب منها. وحلم كهذا يشكل كابوسا لكارهي الحريات. وطالبي الوطن العذب بديلا من وطن العذاب.