عون يعود من سوريا بخفي حنين!
سعيد علم الدين
قال ميشال عون خلال حفل تأبين "التيار الوطني الحر" الذي انتقل الى رحمته تعالى غير مأسوف عليه خلال زيارة عون لبشار الأسد، اقامته جوقة كرادلة "اللقاء الوطني المسيحي" في الأشرفية: "على اللبنانيين أن ينزعوا عن أنفسهم ثياب الحداد وأن يتذكروا أمواتهم لا أن يعيشوا في الماضي".
أن يصدر هذا الكلام السجي وبهذه السهولة والخفة والبساطة عن من لم يستشهد له أخ، أو يغتال له أب، او يُخطف له ابن او ابنة على يد المخابرات السورية ولا يعرف مصيرها حتى الآن، لهو دليل واضح على عدم احساس عون بمدى معاناة الآخرين، وعمق آلامهم، وشدة أحزانهم، وفقدانه لأي مشاعر وطنية انسانية تضامنية مع الأمهات والآباء الثكالى والأرامل والأيتام والأصدقاء الأوفياء.
حيث الدماء ما زالت تغلي في الصدور حيرة حول مصير حبيب مفقود، والدموع ما زالت تنهمر من العيون منذ عشرات الأعوام، وهي ترنو بلهفة لا توصف عند سماع دقة جرس او خبر او طرقة على باب، او كلمة من زعيم!
فكيف سيخلع هؤلاء ثياب الحداد يا بطل التحرير وهم لم يدفنوا أحبائهم بعد، ولا يعلموا مصيرهم حتى اليوم علم اليقين؟
هل ما زالوا أحياء، أم استشهدوا تحت التعذيب في "فرع فلسطين"؟
ويريدهم عون أيضا أن لا يعيشوا في الماضي وهو الذي ما زال متمترسا به، وعاجزا عن الخروج من حقبة ما قبل اتفاق الطائف وما اتفق عليه اللبنانيون ومحاولة العودة بلبنان الى الوراء، أي الحرب المدمرة.
وتابع عون "الإعتراض على الزيارة ما هو إلا اعتراض على استعادة القرار المسيحي، لأنهم لا يريدون دورا قياديا أو رياديا لأي مسيحي قوي في الشرق الأوسط، بل يريدونه ضعيفا".
بشار الأسد لم يقدم له سوى ما يحلم به من مظاهر الأبهة المبهرجة الموقتة: كَرُكوبِه هودج الطائرة الرئاسية، وسيره على السجادة الحمراء منفوخا كالرؤساء، وجلوسه الموقت للحظات على كرسي العرش البشاري. كل هذه البهورات لم تُعِدْ مخطوفا لبنانيا لأهله، ولم تحل مشكلة عالقة بين البلدين، ولم تُنَقِّ وجدان بشار المثقل بدماء اللبنانيين والذي لا يمكن تنقيته في نظرنا، ولا حتى بمليون زيارة، سوى بالمحكمة الدولية، خاصةً بعد هذا الكم الهائل من الاغتيالات والتفجيرات التي حصدت الأبرياء واصابت الشعب اللبناني باستقراره وامنه ونالت بالدرجة الأولى من ديمقراطييه الوطنيين السياديين المعارضين للهيمنة الإيرانية السورية على لبنان كأحرار 14 آذار.
لا بد من التذكير هنا انه بعد توقيع وثيقة التفاهم صار يهرول أمامه مزايدا حتى على حزب الله نفسه في كل المواضيع المصيرية: من موضوع رفض القرار 1559 وكل القرارات المتعلقة بلبنان وربطها بحل النزاع العربي الإسرائيلي وحتى تحرير فلسطين بالكامل، أي ابقاء لبنان في وضع الساحة المستباحة البائسة والمفتوحة على كل المؤامرات والمخابرات والحروب والتدخلات، وابقاء دويلة حزب الله الشمولية وتوابعها من ميليشيات خناجر مسمومة تطعن في ظهر قيام الدولة اللبنانية المستقرة العادلة، وبالتالي يهجر الشباب، وتفكك الدولة، وتنتهي الديمقراطية، وتستباح كرامة الشعب وتقضي على حلمهم بقيام الدولة السيدة القوية المستقلة.
حتى ان عون صار يتهرب من مقررات الحوار الوطني ولم يعد ينبس بكلمة لحل موضوع سلاح المنظمات الفلسطينية خارج المخيمات. أي قبول السلاح السوري الفلسطيني في المخيمات وخارجها ومعه سلاح كل الميليشيات الأخرى كحزب الله وغيره من جماعات 7 أيار وحسب استراتيجته التي هرول فيها مزايدا على نصرالله تحويل البلد كله الى ميليشيات.
ومهزلة المهازل أن الجنرال عون الذي كان يتهم بمناسبة وبدون مناسبة قوى 14 آذار وبالأخص مسيحييها بالتوابع واللواحق، هم بقوا ثابتين على مواقفهم ومبادئهم رغم التضحيات ثبات الجبال، وهو انقلب بقدرة المال الطاهر من حال الى حال.
وكان اللواء عصام أبو جمرا خلال حفل لتسليم البطاقة الحزبية الى المنتسبين للتيار الوطني الحر في سن الفيل في 2007.11.05 ، "لم يبق منهم أحد ولم يشاركوا حتى في دفن التيار"، قد قال انهم "يفضّلون رئيسا غير الجنرال ميشال عون، لأنهم يريدون "شرابة خرج" مطواعا ومنصاعا لإرادتهم".
سنة بعد هذا الكلام سقطت أوراق التوت وانكشفت الكثير من العورات وانفضح أصحاب الشعارات السيادية الخاوية وأصبح اللبنانيون يعرفون تمام المعرفة طينة الزعماء الوطنية وصلابة الرؤساء المبدئية من خلال التجربة الحية المرئية.
فهذا الرئيس ميشال سليمان ومنذ خطاب القسم الذي وضع فيه النقاط على الحروف، لا يهدأ من أجل تثبيت اسس الدولة اللبنانية السيدة المستقلة، وإعلاء موقع لبنان العربي والدولي ليعيد اليه دوره الطليعي بين الأمم. هذا الدور الذي سلب منه 30 سنة بحكم عهد الوصاية السوري الشمولي.
وهذا ميشال عون الذي صم آذاننا ضجيجا بعدائه للنظام السوري بشعاراته السيادية والاستقلالية ظهر عل حقيقته الجلية.
ولكن لماذا العجب؟
إذا كان من تمنى يوما ان يكون ضابطاً صغيرا في جيش الأب حافظ اسد، أن يطير اليوم من الفرحة بتحقيق احلامه الكبرى ليصبح حليفا لنظام الوريث بشار الاسد!
فمبروك وألف مبروك لبشار!
ان الذي افسد عون الى هذه الدرجة هو شراؤه بالمال الإيراني الفاسد.
والمال الفاسد ايضا هو الذي اخرس نواب التكتل العوني.
إليكم هذا التصريح الذي يؤكد كلامنا من النائب كميل خوري عضو تكتل عون لقناة "المنار" في 08.12.09، حيث قال مفتخراً :" نحن مع المحور السوري – الايراني حتى العضم اذا كان نتيجته الزيارة والكلام الذي اطلقه العماد عون، ولن تتوقف زيارات العماد عون هنا بل هناك تكملة لها".
وقبل هذا التاريخ بكثير انتفض النائب ميشال المر على انقلاب الجنرال منسحبا من تكتله لكي لا يكون شاهد زور كزملائه، بل سيد قراره الحر، وخيال حصانه الأدهم، كيف لا وهو ابو الشهيد الحي الوزير الياس المر!