#adsense

قوة الجيش الاستراتيجية تُعزز ثقافة المواجهة.. الوطنية

حجم الخط

قراءة سياسية وعسكرية في نتائج زيارة المر لموسكو
قوة الجيش الاستراتيجية تُعزز ثقافة المواجهة.. الوطنية

تتفوّق دلالات ما حصل في موسكو على النتائج العسكرية المهمة التي يعود بها وزير الدفاع الياس المر الى بيروت.
فالهبة الإستراتيجية التي منحتها وزارة الدفاع الروسية للجيش اللبناني المتمثلة بمقاتلات "ميغ 29" العشر التي توازي أهميتها مقاتلات "أف16" و"أف18" الأميركية إضافة الى مجموعة من المدافع والصواريخ وذخائرها، تأخذ بعدها الحقيقي والدقيق في بلد مثل لبنان، ليس على قاعدة أهميتها العسكرية، إنما على قاعدة تأكيد الإجماع الدولي، بشياطينه وملائكته، وفق تصنيفات الكيانات المذهبية، على القرار الرامي الى قيام دولة حقيقية في لبنان مؤهلة لاسترداد وظائفها السيادية، من دويلات الأمر الواقع القائمة فيها.

ويتخطى هذا الموقف الذي يُطلقه محللون استراتيجيون أدهشهم القرار الروسي العسكري "حزب الله"، فهو وإن كان يمر على الحزب الذي "يستولي" على وظيفة الدفاع عن السيادة، إلا أنه يتصل، أولا بأول، بممارسة مجموعات متفلتة من الشرعية الدستورية ومن المشروعية الشعبية، أعمالا سيادية مستقوية على الدولة بقدرتها على التحصن في مواقع تجعلها متفوقة عسكريا على القوات المسلحة اللبنانية.

ويُراعي هذا التطور الروسي حقائق لبنانية، ذلك أن "الحساسية" من الدور التسليحي الأميركي أو "تعمّد" التحسس من هذا الدور (القاصر أساسا)، باسم الأثمان السياسية المطلوبة لا يسحب نفسه على موسكو، التي توفر السلاح النوعي للنظامين السوري والإيراني، وتقيم علاقات مميّزة مع الخليج العربي وفي مقدمه المملكة العربية السعودية.
وهذا يعني عمليا، أن بناء الدولة هو مسار تنفيذي وليس شعارا للإستهلاك الإنتخابي هنا وللمزايدات الرخيصة هناك.

ولا يُخفى على أحد أن بناء الدولة في لبنان ليس مسألة يُمكن حلّها بالنيات الطيّبة أو بالنصوص الدستورية والقانونية، بل ورشة هائلة الصعوبة وتحتاج الى بذل جهود ضخمة، على اعتبار أن لبنان، الذي خرج من حربه الى أحضان الوصاية السورية، تمّ تأسيسه وفق معادلة إضعاف الجيش لمصلحة "المقاومة" وفكفكة الدولة لمصلحة "الدويلة "و…"المزارع".

ومن يُدقق بما حصل في موسكو، يمكنه أن يرى ثلاثة لاعبين محليين، أوّلهم وجود رئيس للجمهورية جاد في السعي الى بناء الدولة، يُعاونه وزير للدفاع أثبت طموحاته المؤسساتية، ومعهما "إبن أبيه" النائب سعد الحريري، الذي لم يتعب من دق أبواب موسكو، مستفيدا من كل عوامل القوة المتوافرة له، بفعل "الإرث" وبفعل "الصلات العربية" وبفعل "الجهد الوطني"، فيما كانت الهجومات تستهدفه على أساس أنه "أميركي". وفي هذا السياق، كان لافتا للإنتباه أن لبنان انقسم حيال التطور الروسي الإستراتيجي إلى فئتين، أولاهما مشككة بالحدث كمدخل الى تشكيك بالواقفين وراءه، وهي فئة تضم من يرفضون التسليم بوظائف الدولة الحصرية الى أن تقوم الدولة القوية والقادرة والعادلة (!) وثانيتهما، مهللة ومرحبة، وهي فئة تضم أصحاب شعار قيام الدولة كإطار لا مفر منه للحفاظ على وحدة الكيان اللبناني.
وهذا يفيد ببساطة أن المسار الذي انفتح مع المر، رسميا، في موسكو يكاد يكون أشبه باستكمال أساسات صرح إعادة تأسيس الدولة اللبنانية .

ويشرح محلل إستراتيجي من خريجي المدرسة الشهابية التي تؤمن بالدولة القوية أن أهمية الهبة الروسية تكمن تحديدا في توفير مظلة للجيش اللبناني، الأمر الذي يخرج جنوده وضباطه من الحاجة الى مظلة الطوائف والأحزاب والفئات المتناحرة.

ويقول هذا المحلل إن توفير مقاتلات على مستوى "ميغ 29" للجيش اللبناني يعني حكما توفير ما هو دونها من معدات، بدءا بالمروحيات (يبدو أنها ستكون روسية بعدما بدا للجيش اللبناني أن مروحيات كوبرا الأميركية كلفتها أضخم من وظيفتها، بالنسبة لدولة مثل لبنان)، الأمر الذي يسمح باستشراف قيام جيش قوي في لبنان، يفرض احترامه على أبنائه كمدخل لفرض هيبته على الدول الخارجية، صديقة كانت أم معادية.

ويشير هذا المحلل الى أن توافر مقاتلات متطورة للجيش اللبناني، تسمح في وقت لاحق بمنع خرق أجوائه، لأن المؤسسة العسكرية لن تتوانى عن المواجهة حتى ولو كانت النتيجة سقوط مقاتلة للعدو الإسرائيلي المتفوق في مقابل ثلاث مقاتلات للجيش اللبناني، ذلك أن ثمن ثقافة المواجهة التي يتم ترسيخها يبقى أبخس بكثير من ثمن التسليم بمصادرة هذه الثقافة لجهات غير ذي صفة وطنية توحيدية.

ويفيد هذا المحلل بأن الجيش القوي هو جيش موحّد، لأن قوة المؤسسة تجعل المنتمين إليها ملتصقين بها وبخياراتها ولا يعودوا ينظرون الى قبائلهم أو طوائفهم، مما يوفر الوحدة للوطن.

وفي اعتقاد هذا المحلل كما غيره، أن هذا التطور الروسي هو المدخل العملي الوحيد الى دولة قادرة على فرض استراتيجيتها الدفاعية على الجميع، ذلك أن الإستراتيجية الدفاعية في بلد مثل لبنان، منقسم بين تيارات متناقضة، يستحيل بناؤها على تعميم الإستثناء، وفق ما اقترحه العماد ميشال عون، ولا على حصر الوظيفة "بقطاع شعبي" مرتبط بمحور إقليمي، وفق ما يقترح "حزب الله"، ولا على "حياد الضعفاء" وفق ما تقترحه أطراف في قوى الرابع عشر من آذار.

ويقول هؤلاء إن الإستراتيجية الدفاعية تستقيم إذا راعت الوحدة الوطنية من خلال حصرها بالقوات المسلحة، متى أصبحت هذه القوات تملك الوسائل الآيلة الى خلق مواءمة بين النية من جهة وبين القدرة من جهة أخرى.

وعلى هذا الاساس، فإن الجهد المبذول لتقوية الجيش اللبناني حذف المخاوف من مغبة الإرجاءات المتمادية لمواعيد انعقاد طاولة الحوار الوطني في القصر الجمهوري، حتى بدا أن الإرجاء لا يخدم من يملكون مصلحة في تمييع القرار الشرعي الوحدوي إنما أولئك الذين يرسمون خارطة طريق لفرض الرؤية الإستراتيجية الوحدوية.

وفي هذا السياق، لا يستطيع أي طرف، إقليميا كان أم محليا، أن يراهن على الإنتخابات النيابية لإبقاء الحال على ما هي عليه في لبنان، لأن وجود جيش قوي لا يتيح لأي أكثرية نيابية أن تفرض وجود قوى مسلحة تابعة لقطاع شعبي، على اعتبار أن ذلك يقود الى الثورة، تماما كما تعجز هذه الأكثرية أن تفرض بالقوة حلا لمصلحة الدولة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل