في "استراتيجية الأحذية" لاستعادة الكرامة العربية!
من حيث الجرأة الشخصية كان منتظر الزيدي جريئا عندما رمى الرئيس الاميركي بفردتي حذائه احتجاجا على السياسة الاميركية في العراق. اما من حيث الجرأة الوطنية فالامر يختلف كثيرا، لان منتظر الزيدي تجاسر على قذف الرئيس الاميركي بحذائه ولم يقل لنا ما كان سيفعل لو ان الرئيس العراقي السابق صدام حسين كان الواقف مكان الرئيس نوري المالكي. ولم يقل لنا ما اذا كان اخوه الاصغر سيستعرض امام كاميرات العالم اجمع مجموعة احذية شقيقه وسط تهليل العائلة التي توشك على الاثراء السريع بفعل العروض العربية القومجية التي انهالت لشراء حذاء منتظر الزيدي، ووصل بعضها الى 10 ملايين دولار. غالب الظن انه ما كان ليصل الى قاعة المؤتمرات الصحافية الرسمية، ولو وصل اليها ورمى رئيسا ضيفا في حضرة صدام لكان وافراد عائلته انضموا الى قوافل طويلة من ضحايا نظام صدام… والمقابر الجماعية وقواعد عمارات بغداد الخراسانية اكبر شاهد على كثافة الحضور فيها!
لا يأتي هذا الكلام بداعي الدفاع عن سياسة الرئيس الاميركي في الشرق الاوسط، ولا عن حربه على العراق التي افضت الى نتائج عكسية، بفعل خروج ايران منتصرة منها، تماما كما خرجت منتصرة من حرب اخرى لم تخضها في افغانستان. وهنا الخطيئة الكبرى التي ارتكبتها الادارة الاميركية بتعبيدها الارض امام "العربة" الايرانية كي تخترق العالم العربي بدءا من العراق، مرورا بغزة وصولا الى لبنان حيث مفاعيل انقلاب 7 ايار قائمة وراسخة حتى الآن. ولكن اذا كنا نعتبر ان الاميركيين ارتكبوا الكثير من الاخطاء في العراق، فهل معنى هذا ان نحجب اخطاء العراقيين في ما بينهم؟ فشلالات الدم العراقي – العراقي، والاسلامي – الاسلامي، والعربي – الكردي ما كانت ممكنة لولا الارض الخصبة التي تهيأت لها في عراق ما قبل 2003، وانفجرت في عراق ما بعد 2003. وهل علينا ان نتناسى خطايا الجوار العراقي في شعب العراق، بدءا من التغلغل الايراني سلاحا وعتادا في الجنوب والوسط، وصولا الى التصدير المنهجي للارهاب المنطلق من اراضي الجارة سوريا؟
ان بعض المتحمسين لـ"استراتيجية الأحذية" التي اطلقها منتظر الزيدي يقدمها على انها ثورة وانتصار للكرامة العربية، ويعتبر ان الحذاء يؤذن بانهيار المشروع الاميركي. اما نحن فنقول ان المشروع الاميركي في العراق والمنطقة انتهى يوم ترك ايران لاعبا اقليميا شبه وحيد يطرق ابواب المجتمعات العربية ليخترقها. وانتهى المشروع يوم استسلم للقرار الاسرائيلي بحماية النظام في سوريا الذي كان يخشى الديموقراطية في دمشق، ويؤثر نظاما اقلويا، مكروها، ومعزولا، مفقرا لشعبه، قامعا له وعلى صِدام مع محيطه العربي، على سوريا جديدة ينتصر فيها الانسان السوري الحر المتحرر. وانتهى المشروع الاميركي يوم ترك الرئيس محمود عباس لقمة سائغة للاستراتيجية الاسرائيلية التي غذت وتغذي حركة "حماس" عبر الاستمرار في تعطيل مسيرة السلام، وقضم الاراضي والتهويد، والتضييق على الشعب الفلسطيني.
لم يكن المشروع الاميركي في حاجة الى حذاء منتظر الزيدي ليعلن فشله. وبدوره لم يكن الوطن العربي في حاجة الى حذاء منتظر الزيدي ليكتشف ان الاوطان والامم لا تبنى برمية حذاء يهتاج لها المهتاجون الموسميون والانتهازيون، وسرعان ما نعود الى حالة البؤس التي ينبع معظمها من انظمة امتهنت دوس الانسان العربي بحذاء القتل والقمع والتجويع والتيئيس، ليعود منتظر الزيدي بعد ان يطلق سراحه، وبعد ان يخرج الاميركيون من العراق ليكتشف ان الحذاء بقي حذاء وانه بقي مجرد مواطن عربي ابتسم له الحظ في عراق ما بعد صدام حسين!
تبقى حالة واحدة يمكننا كلبنانيين ان نسجلها للرئيس الاميركي جورج بوش وللاستراتيجية الاميركية وان تكن ناقصة: انه واكب ثورة الشعب اللبناني ضد نظام الوصاية وحماها دوليا، وساهم مع رئيس فرنسا جاك شيراك في محاصرة النظام السوري لدفعه خارج لبنان بعد ثلاثين عاما من وصاية احتلالية تخضبت يداها بدماء اللبنانيين.
فألا يستحق بوش تحية من الاستقلاليين اللبنانيين؟