#adsense

ضوء أخضر للدولة القوية والقادرة؟

حجم الخط

ضوء أخضر للدولة القوية والقادرة؟!

الحد الادنى من المنطق الوطني كان يفرض ان يعمّ الابتهاج كل القوى اللبنانية انطلاقا من "المفاجأة الضخمة" فعلا، التي تمثلت في اعلان وزير الدفاع الوطني الياس المر قرار موسكو تزويد الجيش اللبناني 10 طائرات من طراز "ميغ 29" الحديثة.
لكننا لمسنا في الساعات القليلة الماضية جوا لا يخفي احساس البعض بالتوجس وربما بالقلق من صفقة الطائرات الحديثة، التي قد تضاف اليها دبابات "ت 90" وصواريخ وأطقم مدفعية حديثة.
هذا التوجس بلغ حد القول طوال يوم امس ان موسكو لم تؤكد رسميا كلام المر. وهذا بالتأكيد مزاح هامشي على الاقل لان الوزير المر لم يكن ليعلن عن صفقة الطائرات لو لم تكن مؤكدة وثابتة!
امس جاء التأكيد الروسي رسميا ولكن مشفوعا ايضا بمعلومات منقولة عن مجلس الامن القومي الروسي، تقول ان الطائرات هي لتعزيز الجيش باعتباره ضامن الاستقرار والامن. وان المباحثات تناولت قضايا الامن الاقليمي وضمان استمرار لبنان وامنه. اضافة الى قضايا التعاون بين روسيا ولبنان في الحفاظ على الامن الاقليمي والعالمي ومكافحة الارهاب الدولي.

❑ ❑ ❑

في الاساس ان المعنى الاعمق لمفاجأة الميغ، هو سياسي قبل ان يكون عسكريا لا بل انه يعكس وسط حركة التحولات الدولية – الاقليمية الراهنة بعداً استراتيجيا في غاية الاهمية.
كيف؟
عندما تقوم روسيا الدولة الكبرى، التي تعيد الآن بناء حضورها الفاعل في المنطقة، والتي قيل انها تنشئ ميناء لأسطولها البحري في طرطوس، والتي استأنفت المفاوضات مع طهران لتزويدها شبكة صواريخ "س س 300" الاحدث في العالم، وتشكل سلاحا رادعا لاي تفكير اسرائيلي بضرب المنشآت النووية الايرانية، التي تقوم روسيا ببنائها لحساب الايرانيين.
عندما تقرر هذه الروسيا تزويد لبنان طائرات حديثة وتبدي استعدادها لتسليح الجيش اللبناني "بلا حدود والى ابعد مدى"، كما سبق لرئيس الوزراء فلاديمير بوتين، ان ابلغ الى النائب سعد الحريري لدى زيارته موسكو، فان ذلك يعني بلا اي تردد او ريب، ان موسكو تدعم بقوة فكرة قيام الدولة القوية القادرة في لبنان، وان قيام هذه الدولة ليس ضمانا لامن لبنان واستقراره فحسب، بل هو ضمان ايضا للحفاظ على الامن الاقليمي والعالمي ومكافحة الارهاب الدولي!

❑ ❑ ❑

ولعل هذا الكلام الذي ورد امس من موسكو يذكر الكثيرين الآن بما قاله احد مستشاري بوتين في خلال زيارة الحريري لموسكو من "ان على سوريا ان تعترف من الآن فصاعدا بان على حدودها دولة مستقلة ذات سيادة اسمها لبنان"، وان لهذه الدولة وظائف واضحة وهي الامن والاستقرار في لبنان، وكذلك المشاركة في الامن الاقليمي والعالمي.

❑ ❑ ❑

طبعا ان 10 طائرات "ميغ 29" لن تخوض معركة تهزم العدو الاسرائيلي. لكنها تشكل اعلانا مدويا ان هناك قرارا روسيا كبيرا لا يستطيع الاميركيون اسقاطه او حتى الاعتراض عليه وقد زعموا دائما انهم يدعمون لبنان، لا بل انهم قد سبق لهم ان تعهدوا بارسال اطقم دبابات "M60"، قد يجدون الآن ان عليهم منافسة الروس في دعم قيام الدولة اللبنانية القادرة والقوية، بعدما ابدى الروس ايضا استعدادا لتزويدنا دبابات "T90" الحديثة نسبيا.
وفي المحصلة عندما تؤكد روسيا الاهمية الوطنية والاقليمية والدولية لقيام الدولة اللبنانية فلن يكون سهلا على حلفائها الاقليميين، المضي في تنفيذ السياسات التي من شأنها اضعاف الدولة اللبنانية وتفتيتها واغراق لبنان في الفوضى التي تحتاج دائما الى متعهد لضبطها وتنظيمها!

❑ ❑ ❑

بهذا المعنى يفترض النظر الى القرار الروسي الكبير الذي يشكل فعلا مفاجأة، بعد زمن من الوعود الاميركية الواهية بتسليح الجيش، والتي لم ينفذ منها الا النزر القليل، ودائما بحجة الخوف من ان يقع السلاح في يد "حزب الله"، وبسبب الضغوط الاسرائيلية، وهو تقريبا ما ابلغه قائد القيادة المركزية للقوات الاميركية الجنرال ديفيد بيترايوس قبل اسابيع الى قيادة الجيش اللبناني في بيروت!

❑ ❑ ❑

وفي اي حال يجب ان لا ننسى ما دأب الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله على المطالبة به، وهو قيام الدولة القوية والقادرة التي تستطيع طمأنة كل اللبنانيين بما يؤدي تاليا الى ايجاد الصيغة الملائمة لدخول المقاومة الى كنف هذه الدولة.

❑ ❑ ❑
طبعا ان صفقات السلاح، مهما كان حديثا، لا تقيم الدولة القوية والقادرة، فالقوة والقدرة لا تنبعان من الاسلحة بل من الشعب والناس. وفي هذا السياق ان وحدة اللبنانيين الصادقة والصريحة والواقعية، هي وحدها التي تشكل الارض الصلبة التي تقف عليها الدولة القوية والقادرة. وهي التي تشكل المظلة التي تحمي رأس هذه الدولة وترفعه ايضا، اكثر من طائرات الميغ.
مثل هذا الكلام يجب ان يشكل قاعدة انطلاق للحوار الوطني في جلسته الثالثة التي ستعقد بداية الاسبوع المقبل في القصر الجمهوري، فاذا اضفنا اليه المعالم المفاجئة لوجود بداية قرار دولي، بضرورة قيام الدولة اللبنانية الحقيقية، فعندها لن يكون معذورا على الاطلاق، من قد يسعى الى الاستمرار في وضع العصي في دواليب هذه الدولة المعطلة وسنجد الكثيرين من هؤلاء للاسف!

❑ ❑ ❑

فعلا اذا كان من حق اللبنانيين لا بل من واجبهم ان يبتهجوا بالقرار الروسي الذي قيل انه جاء نتيجة اتصالات حثيثة اجرتها المملكة العربية السعودية على اعلى المستويات وبين خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله والرئيس فلاديمير بوتين وتركزت على ضرورة دعم الدولة اللبنانية وتسليح الجيش اللبناني الذي خاض معركة "نهر البارد" بالحد الادنى من السلاح والذخيرة. وهو ايضا ما فعله الملك عبد الله الثاني عاهل الاردن من خلال لقائه القادة الروس، فان من حق الجيش اللبناني ان يستعيد اعلى درجات احساسه السيكولوجي بالقوة والعزة، ذلك ان اعادة تسليحه ودعمه بالعتاد الحديث سيجعله اكثر بأسا وايمانا بالنفس وبالدور الوطني الملقى عليه، بعدما مرت عليه كل هذه الاعوام وما حملته من الظلامة والتقصير حتى الاهمال.
ان قيامة الجيش تعني قيامة الدولة. وقيامة الدولة تعني نهائية الوطن، ونهائية الوطن تعني ان عليه وظائف محلية واقليمية ودولية، وفي ما ورد من موسكو طلائع امل تشجع على التفاؤل الحقيقي اذا اراد اللبنانيون فعلا ان يكون لهم وطن اخيرا.

المصدر:
النهار

خبر عاجل