تداركاً لاحتمال اللجوء إلى الثلث المعطل في فترة الانتخابات
هل يعود البحث في تشكيل حكومة لا مرشحين فيها؟
جاء في مقال لعميد "النهار" غسان تويني الاثنين الماضي، تحت عنوان "انقاذا للديموقراطية والحكم الحر": "الحكومة التي يحزننا اننا وصفناها قبل تأليفها بأنها حكومة متاريس متقاتلة لا يمكن ان تتألف منها الوحدة الوطنية، وها هي تكلل عجزها عن اتخاذ اسهل القرارات". وطلب من الرئيس السنيورة ان "يقتنع بأن حكومته صارت مجموعة "أوزار" لا وزراء وان الحكمة تفرض استقالتها مجتمعة قبل ان تنفجر اشلاء في وجه رئيسها ورئيس الجمهورية. ليعود على رأس حكومة "ململمة" متجانسة مؤلفة من شخصيات قوية ولا "ثلث معطل" ولا من يحزنون، حكومة تصبح قوة ضاربة قادرة على الاتفاق على القرارات المطلوب اتخاذها لانقاذ ما لا يزال من الممكن انقاذه من الحكم وقادرة خصوصا على ايحاء الثقة بأنها ستجري الانتخابات بحرية وسلامة…".
هذا الكلام لغسان تويني كان له صدى في اوساط رسمية وسياسية وشعبية، واعاد الحديث عن تشكيل حكومة لا مرشحين بين اعضائها تكون شبيهة بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي اشرفت بنجاح على الانتخابات السابقة فأمنت نزاهتها وسلامتها، لأنها لم تضم بين اعضائها مرشحين قد يسخرون وزاراتهم لخدمة مصالحهم الانتخابية وخدمة ناخبيهم.
الواقع انه بعد تهويل وزراء الاقلية المعارضة في الحكومة بسلاح "الثلث المعطل" في مجلس الوزراء عندما حصل خلاف على تشكيل هيئة الاشراف على الحملة الانتخابية وطلبت الاكثرية التصويت، كان هذا التهويل كافيا لصرف النظر عنه وجعل الرئيس ميشال سليمان نفسه، لكونه حريصا على التوافق وعدم الوقوف مع طرف ضد طرف آخر، يتجنب استعمال حقه في تطبيق مبدأ التصويت لحسم الخلاف وخصوصا في مواضيع عادية كالموضوع المطروح ما دام في الامكان حسمه بالتوافق وهو الافضل عوض ان يحسم بالتصويت الذي يجعل فريقا يشعر بأنه رابح والآخر خاسر.
لكن هذه القاعدة، في رأي بعض وزراء الاكثرية، لا يمكن تطبيقها في كل موضوع لأن التصويت نص عليه الدستور في مادته الـ65 التي ذكرت بوضوح وصراحة ان القرارات في المواضيع العادية تتخذ بأكثرية الحضور (وهو ثلثا عدد اعضاء الحكومة) اذا تعذر التوافق وبموافقة الثلثين في المواضيع الاساسية وقد حددها بـ14 موضوعا.
وما دام وزراء الاقلية والمعارضة في الحكومة قد يعمدون في كل موضوع يهمهم الى التهويل بالثلث المعطل، لمنع حسم الخلاف في شأنه بالتصويت، بل بتأجيل بته الى ان يصير اتفاق وتوافق عليه، فان الحكومة ستكون معرضة، وخصوصا مع اقتراب موعد الانتخابات التي تكثر فيها المزايدات وكلام الحق الذي يراد به باطل، للانفجار من الداخل، اذ ما المانع من ان يلجأ وزراء سواء من الاقلية او من الاكثرية الى الاستقالة ولو خلافا لاتفاق الدوحة اما احتجاجا على سير عملية الانتخابات او لشعوره بتضاؤل حظوظ فوزه فيها وانتحال الذرائع حتى الوهمية منها وتبرير ذلك بالكلام على التدخل بمختلف اشكاله وعلى الضغوط وحصول اعمال غش وتزوير… وإما لأن تعيينات في وظائف الفئة الاولى لم تعجبه ولم تكن له فيها الحصة التي يريد، لئلا يترك ذلك تأثيره على قاعدته الشعبية التي تحتاج الى تعيينات ترضيه… وإما لأن وزيرا منافسا له سخر خدمات وزارته والاجهزة التابعة له لمصالحه الانتخابية وقد حرمه اياها، وخصوصا الوزارات الخدماتية فيها.
وهنا يطرح السؤال المهم وهو: ماذا يكون مصير الانتخابات النيابية اذا استقال وزراء قبل موعد اجرائها او خلال اجرائها وكيف يمكن متابعتها بحكومة لا تمثل كل من يجب تمثيلهم فيها ليكونوا شهودا على حسن سير العملية الانتخابية؟ وماذا لو استقال وزير الداخلية والبلديات زياد بارود احتجاجا على تدخل في شؤون وزارته، او التعدي على صلاحياته سواء أكان هذا التدخل من داخل الحكومة ام من خارجها، خصوصا ان الوزير بارود حريص على ان تجرى الانتخابات في جو من الهدوء وبروح ديموقراطية بحيث تكون انتخابات حرة نزيهة، ليتحمل مسؤولية اجرائها، لا ان تكون غير ذلك ويتحمل هذه المسؤولية وهو في تجربته السياسية الاولى التي يرفض ان تكون فاشلة او مخيبة لآمال اللبنانيين به ولا سيما الشباب منهم، علما انه الوزير غير المرشح والوزير الحيادي المستقل الذي لا مصلحة له في التغاضي عن اي تدخل ولا في الانحياز الى مرشح دون آخر، وانه لن يسكت عن اي مخالفة او تدخل ان لم يكن بالاستقالة احتراما لاتفاق الدوحة، فيكشف ذلك في وسائل الاعلام.
لقد اقترح الوزير ابرهيم شمس الدين آلية للتعيينات تراعي الكفاية والخبرة والاختصاص قبل اي شيء آخر، ليبعد هذه التعيينات عن المحاصصات السياسية والتوظيف الانتخابي. ولكن يبدو ان عددا من الوزراء لا يناسبه اعتماد مثل هذه الآلية لئلا يحرمه اعتمادها تعيين من يخصونه ولكن لا تتوافر فيهم الشروط المطلوبة. ولم يعتمد وزراء في حكومات سابقة اي آلية اقترحت تتقدم فيها الكفاية على اي اعتبار آخر، فظلت التعيينات تتم على اساس المحاصصة السياسية والمذهبية واذا ما صار توافق فانه يصير على حساب هذه الكفايات، اذ يعين بحصول التوافق من لا تتوافر فيهم الشروط المطلوبة سوى شروط الانتماء الى هذا الحزب او ذاك او الى هذا الزعيم او ذاك…
ان احتمال حصول خلاف بين الوزراء الاضداد قد يؤدي الى انفجار الحكومة من الداخل وهو امر وارد ينبغي التحسب له، وقد يحتاج تداركه تدخلا خارجيا وعودة ثانية ربما الى الدوحة لتجديد جمع هؤلاء الوزراء ورص صفوفهم حرصا على اجراء الانتخابات في موعدها، وعلى اعتراف الجميع بنتائجها فائزين كانوا ام خاسرين، لئلا يغدو الحل البديل اتفاقا جديدا على تشكيل حكومة من وزراء غير مرشحين للانتخابات. وهذا الوضع الدقيق جعل غسان تويني يتساءل في مقاله الاسبوعي وهو يطرح على الوزراء (ولا سيما وزراء انفسهم فقط لا غير!) سؤالا واحدا: "هل يظنون بصدق ان في وسعهم بعد قيادة السفينة في البحر الهائج وايصالها الى الربيع الذي يخشى ان يتحول خريفاً للحكم برمته؟".
وفي المعلومات ان الرئيس ميشال سليمان اخذ يشعر بالانزعاج والاستياء من فقدان الانسجام بين اعضاء حكومة ينبغي ان تكون فعلا لا قولا حكومة وحدة وطنية تقدم مصلحة البلاد في كل المجالات على كل مصلحة، وتحرص على اجراء تعيينات من الاكفياء لتكون هذه التعيينات بداية وضع حد للفساد والمفسدين ومكافحة الرشوة، وان تكون حكومة توافق بين اعضائها لا حكومة تنافر، وحكومة مشاركة متضامنة لا حكومة مشاكسة متفرقة، فلا يحاول كل طرف جر الرئيس الذي يحرص على ان يكون على مسافة واحدة من الجميع، الى ان يقف معه ضد الطرف الاخر.
فهل يلتزم الوزراء اتفاق الدوحة بعدم الاستقالة وعدم اللجوء الى "الثلث المعطل" كما دعا الى ذلك الرئيس السنيورة والرئيس بري، ام يلتزمون قول وزير الاتصالات جبران باسيل "اننا حاربنا وناضلنا من اجل هذا "الثلث" لاستعماله عند الحاجة وليس للفرجة"؟
