خط استراتيجي بين موسكو وبيروت
موسكو تفاجئ بيروت بإعطائها أكثر مما كانت تطلبه أو تتوقعه. والبعض يقول بما لم تكن مستعدة له. مفاجأة تحمل مفارقة الانتقال من صدام بسبب طائرة (ميراج) الى اتفاق على امتلاك لبنان طائرات (ميغ). ففي أواخر الستينات من القرن الماضي كانت موسكو مهتمة بالحصول على طائرة ميراج لدراسة نقاط القوة والضعف فيها بعد صدمة أدائها المتفوق على طائرات الميغ في حرب حزيران عام .1967 وهي استسهلت إغراء ضابط طيار لبناني بتهريب طائرة ميراج ليتسلمها طيارون سوفيات من دون أن تعرف أن الضابط محمود مطر كشف الأمر لرؤسائه وجرى الاتفاق على السير في اللعبة ثم كشفها لحظة دفع الأموال قبل التنفيذ للقبض على العملاء بالجرم المشهود. لكن اطلاق نار تخلل عملية المداهمة بسبب لجوء الضباط السوفيات الى المواجهة. وكان للحادثة مضاعفات بينها لعب موسكو دوراً في فشل المرشح الشهابي في الانتخابات الرئاسية عام .1970 اليوم تهدي موسكو بيروت عشر طائرات (ميغ-29) مع الاستعداد لتزويد الجيش بكل الأسلحة التي يحتاج اليها ويطلبها منها.
وهذا بالطبع تاريخ تغيرت الدنيا من بعده. فلا بيروت اليوم هي بيروت الستينات، ولا موسكو. غير أن لبنان كان له دائماً مكان ما في الكرملين. أيام القياصرة في امبراطورية آل رومانوف. أيام الاتحاد السوفاتي والنظام الشيوعي من لينين الى غورباتشوف. وأيام الاتحاد الروسي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وصعود نجم (القيصر) بوتين. القياصرة كان لهم دور سياسي وتعليمي في جبل لبنان خلال الإمارة والقائمقاميتين والمتصرفية. وموسكو الشيوعية لعبت في مجلس الأمن دوراً في ضمان استقلال لبنان وظلت تضع حساباً لاستقلاله وخصوصية وضعه حتى خلال الحرب في ظل الحرب الباردة. وموسكو التي تستعيد اليوم دورها الدولي تفتح ترسانتها لتسليح الجيش اللبناني بما امتنعت أميركا وأوروبا عن تقديمه حتى الآن لأسباب تتعلق باسرائيل وادعاء الخوف من وصول السلاح الى أيادٍ غير شرعية.
ولا أحد يتصور أننا عند نقطة تحوّل تشبه ما حدث في الخمسينات حين قرر الرئيس جمال عبد الناصر تنويع مصادر السلاح وبدأت مصر تتلقى الأسلحة السوفياتية تحت عنوان صفقة (الأسلحة التشيكية). لكن الواضح خلال زيارة وزير الدفاع الياس المر أن موسكو معنية لأسباب متعددة بفتح (خط استراتيجي) مع بيروت. ولا مبرر لأن يتردد لبنان، وإن كانت الحسابات فيه معقدة. فنحن محكومون بتنويع مصادر السلاح. ونحن في حاجة الى أية مساعدة من أي دولة، إذا كنا جادين في الاتفاق على استراتيجية دفاعية لحماية الوطن الصغير من العدو الاسرائيلي ومن الارهاب.