قلق ثلاثي!
تثير الهدية الروسية الى الجيش اللبناني ( عشر طائرات ميغ 29 ) سلسلة ردود في الداخل اللبناني ، خصوصاً بعدما كشف وزير الدفاع الياس المر ان التقدمة اتت بعد طلب من النائب سعد الحريري ، خلال زيارته الى موسكو مؤخراً ، ومن الطبيعي ان تأتي ردود الفعل الداخلية تبعاً لعلاقة كل فريق مع النائب الحريري وتياره ، وهذا الأمر ليس مستغرباً في بلد مثل لبنان ، وفي ظل اوضاع سياسية كمثل التي يدور فيها وطن الأرز منذ اكثر من ثلاث سنوات .
وما يثير العجب والأستفهام في امر الهدية الروسية المعتبرة ، هو التلاقي بين ثلاثة افرقاء اقليميين في رفضها والتحفظ عليها والقلق من مفاعيلها ، والأطراف الثلاثة هم على التوالي : اسرائيل ، وحزب الله (وتالياً ايران ) ، وسوريا ايضاً في آنٍ معاً !
واسرائيل التي ابلغت واشنطن قلقها من حصول الجيش اللبناني على اسلحة وعتاد حديث ومتطور (كما نقلت وسائل اعلام عربية ولبنانية اليوم) قد يكون قلقها مفهوماًَ خصوصاً وانه مزمن ويعود الى الستينات من القرن الماضي ، وهي حرصت على ابرازه خصوصاً في ملحقات اتفاق 17 ايار العام 1983 (الذي الغاه لبنان لاحقاً) والذي كان يتضمن تحديداً لعديد العسكريين اللبنانيين الذين سينتشرون جنوب الليطاني ! ورفض امتلاك الجيش اللبناني اسلحة ثقيلة وحديثة …. جوية او برية ايضا!
واما التحفظ والقلق السوريين فمفهومين ايضاً ! واذا عدنا الى مرحلة الوصاية التي دامت 15 عاماً ، فإن دمشق حرصت خلالها على ان يكون الجيش اللبناني وافر العديد (حوالي 60 الف عسكري) دون تجهيزات ثقيلة او خفيفة ! حديثة او قديمة ! والدور التي ارادت سوريا ان يلعبه الجيش خلال تلك المرحلة لم يزد عن ان يكون دوراً داخلياً محدوداً يقوم على موجهة الرافضين للهيمنة السورية ومنعهم من التعبير عن آرائهم علناً (في الشارع) نظراً لإنعكاسات هذا الأخير على دول القرار في العالمين العربي والدولي ، وارتداداته الداعية الى قطع التفويض للنظام السوري والعمل على اخراجه من لبنان تماماً كما حدث في آواخر نيسان العام 2005 .
وفي المرحلة الراهنة ، فإن رفض سوريا تزويد الجيش بمعدات حديثة ومتطورة ، يأتي من معرفتها بأن هذا الأمر يضع " نقطة على سطر " اطماعها ، ويجعل عودتها للتحكم بالقرار اللبناني مستحيلة في اي وقت ، تبعاً لسقوط الظروف " المحضرة " والتي لن يسمح الجيش اللبناني القوي بقيامها .
ويبقى حزب الله ومصادره تتحدث عن ان 10 طائرات (سرب ) لا تستطيع مواجهة الطيران الأسرائيلي المتفوق ! وهذه حجة لا تستقيم ، لأن صواريخ الحزب ايضاً لا تستطيع مقاومة اسرائيل ، ومعارضة الحزب الألهي لتسليح الجيش تأتي من التخوّف الأستراتيجي من ان تكون هذه هي الألف في الأستراتيجية الدفاعية الوطنية التي اوّلها جيش قوي ، وآخرها ضم كل سلاح غير شرعي الى هذا الجيش وخضوع قراري الحرب والسلم للمؤسسات الدستورية اللبنانية دون شريك او منازع !
ويبقى ان ما يثير الدهشة هو التلاقي الثلاثي بين " الأعداء " حول أمر واحد لبناني ! وهذا يتكرر منذ سنوات طويلة ! واذا افترضنا فيه " حسن النية " فإنه يأتي من عدم رغبة الأفرقاء الأعداء في قيام دولة لبنانية سيدة قوية ، لأنها تلغي الأدوار البطولية التي تعتاش منها الدول الثلاث وتنتعش وتأخذ احجاماً منفوخة على المستويين الأقليمي والدولي في آنٍ معاً .