بين العيش المشترك والحرية
المحامي جورج ابو صعب
كثيرة هي المفاهيم المغلوطة قصدا او جهلا وكثيرة هي التصاريح والمواقف الصحيحة التي يراد بها باطل. ففي خضم الصراع الداخلي الذي يشهده لبنان بين تيارين لا بل بين فكرين سياسيين لا يلتقيان تبرز ازمة الفكر اللبناني الصحيح والمستقيم والذي يوحد اللبنانيين لا لشيء الا لسبب هو ان فئة من اللبنانيين لم تعد ترى في لبنان الارض والوطن والهوية… ما أدى الى توجه الانظار الى الخارج للاستقواء به ولو على حساب القسم الاخر من اللبنانيين وعلى هذا القسم الاخر من اللبنانيين.
من هنا نرى ان المرحلة الحالية المصيرية بامتياز تتطلب من كل اللبنانيين الصراحة وقول الحقيقة مهما كانت تلك الحقيقة صعبة ومرة: فبين التنازل عن الثوابت التاريخية والسير في تسوية تدفن هذه الثوابت يبقى الافضل دفن التسوية ومهما كلف الامر، وبتعبير اوضح لطالما كان العيش المشترك والحرية صنوان لا بل الثانية اساس الاولى لقيام الصيغة البنانية الفريدة. ولكن اذا اراد البعض تخييرنا اليوم بين العيش المشترك والحرية ثمنا لحل الازمة لوجب على كل لبناني صميم واصيل ان يختار الحرية.
كلى اللبنانيين يريدون العيش المشترك والكل يتكلم عن المشاركة في الحكم، البعض بنية صادقة والبعض الاخر لتسجيل المواقف واللعب على التناقضات والغرائز، لكن الحقيقة ان البعض لا يريد لبنان… ولا يريد الدولة اللبنانية لانه قرر السير في تحالفات وحسابات اغرب ما تتصل بتاريخ واصالة وتراث لبنان الحقيقي وصيغة لبنان.
هذا البعض وتحت شعار المشاركة يريد الاستئثار والخطف ووضع اليد
وتحت شعار الحوار يريد التطويع وفرض الرأي والقرار تحت ضغط الثلث المعطل والاعتصام والعصيان واللجوء الى السلاح لحماية السلاح.
وتحت شعار مقاومة اسرائيل يريد مصادرة القرار اللبناني وارتهان لبنان لصراعات المحاور الاقليمية والدولية على حساب لبنان وحقيقة لبنان.
وتحت شعار التصدي والممانعة يريد البعض تحطيم استقلال وسيادة وحرية لبنان واللبنانيين لمحو البلاد عن الخارطة السياسية للعالم.
وتحت شعار محاربة الفساد يريد البعض احلال فساده مكان الفساد القائم ليعالج الخطأ بخطأ اكبر ظهر في قضية الخليوي وفي ملفات مجلس الجنوب والمساعدات المالية لمتضرري عدوان تموز 2006 ، حيث المال النظيف هو الذي صرف فقط على بضعة مئات من المتضررين المحاسيب فيما الاكثرية الساحقة لم يصلها الا المال الحكومي الرسمي من الهبات العربية والدولية.
نقول كل هذا لنصل الى الاستنتاجات التالية:
1- اننا كلبنانيين اصيلين مع العيش المشترك ومع صيغة هذا العيش النابع من اصالة تراثنا الوطني وتاريخنا الفريد في المنطقة، ولكن ولنقلها بصراحة ان المسيحيين خاصة والذين دفعوا منذ اكثر من 1400 سنة ثمن تعلقهم بلبنان وبحرية لبنان وهويته السيدة والحرة والمستقلة لم يعودوا اليوم على استعداد من اجل صون العيش المشترك ان يتنازلوا عن حريتهم التي تبقى العنوان المقدس لوجودهم.
فمن يريد العيش المشترك عليه ان ينطلق من سقف الحفاظ على حرية المسيحيين في هذا البلد وعبره في هذا الشرق والا لن يكتب لاية صيغة تسوية تتجاهل هذا المعطى النجاح والتعمير.
2- ان لبنان ارض المسيحيين والمسلمين الذين اعترفوا بنهائية الوطن اللبناني وبنهائية الهوية اللبنانية والذين يناضلون اليوم كتفا على كتف من اجل قيام الدولة القوية، السيدة، المستقلة والمعاصرة، وبالتالي لا مكان في اي حوار او اي مشروع اخر للبنان لا ينطلق من ثوابت لبنان التاريخية والحضارية التي تكرسها اليوم 14 اذار في مبادئها وثوابتها الوطنية.
3- ان لبنان ليس كذبة ولا فبركة استعمارية لانه حقيقة تاريخية وسياسية وسوسيولوجية استقلالية عمرها الاف السنين من الحرية والتميز الخاصة عن سواها من كيانات كانت ملحقة في هذه المنطقة من العالم.
وبالتالي من يعتبر اليوم من افراد او احزاب او عقائد بعثية او تيولوجية او دول محورية اقليمية نفسه قدوة في النضال من اجل الحرية والكرامة يجب ان لا ينسى انه يتكلم عن وطن كان ولا يزال هو القدوة… ارض المقاومة والمواجهة ضد كل غازي ومحتل سواء جاءنا من الشرق او من الغرب، وقد قاوم لبنان في الوديان والسهول والجبال بين الصخور والقمم جحافل الغزو والاحتلال والاستعمار…
فرحلوا جميعهم وبقي لبنان والانسان اللبناني الحر وكان ونقولها بصراحة المسيحي والماروني تحديدا راس الحربة في مقاومته التاريخية عبر العصور والازمنة، لذلك فاننا نرفض الطارئين الجدد اليوم على الساحة والذين اشبعونا لحد الغثيان دروسا نظرية معظم فحواها المزايدة بالمقاومة وبقيم الكرامة والعنفوان ومقاتلة العدو والغاصب والمحتل والمستعمر بوجه المسيحيين والمسلمين اللبنانيين المؤمنين بهويتهم اللبنانية والذين دفعوا من دمائهم ثمن ايمانهم بلبنان الوطن النهائي والهوية الجامعة والموحدة. في وقت هؤلاء المزايدين في عقائدهم او في مواقفهم ابعد ما يؤمنون بتلك الثوابت وابعد من يعمل من اجل لبنان اللبناني … لبنان للبنانيين … لا للشرق ولا للغرب.
انها ساعة الحقيقة فكفانا مسايرة واخفاء للحقائق ولنقل الحقيقة بكل صدق وامانة.