#adsense

ماذا يريد الحانقون؟

حجم الخط

تسليح الجيش معيار الوطنية وروسيا ضمانة لمسيحيي الشرق
ماذا يريد الحانقون؟

ما أن يتوارى التهويلُ والعويل، ولو للحظة، حتى يأتيك الإمتعاضُ والتبرّم والحنق لتكشف ما في الصدور. الحنق من ماذا؟ من إقدام روسيا على تزويد الجيش بمقاتلات جوّية ودبّابات حديثة. ما حجّة هذا الحنق؟ أنّ المقاتلات الجويّة والدبّابات الحديثة ما عادت تجدي نفعاً في بطولات اليوم بعد "غزوة منتظر الزيديّ" وإنشراح "الحذائيولجيا الممانعة".

هذه المرّة لا يجد طائر البوم الناعق كبير حرج من التقاطع مع القلق المعبّر عنه في الصحف الإسرائيليّة تجاه الخطوة الرّوسية وأبعادها. هم يسألون عن "التوقيت" وملابساته عشية مناقشة المنظومة الدفاعيّة على طاولة الحوار. لا عجب، ان أطروحة أنّه ينبغي "تسليح الجماهير" بدلاًً من بناء الجيش الإحترافيّ المجرّب بدأت تتهافت من تلقائها، وأهمّ ما في الخطوة الروسيّة أنّها قد تفتح باب التنافس بين مختلف الدول على تسليح الجيش، وليت الدولة التي تغدق على مجموعة لبنانية موالية لها بعشرات آلاف الصواريخ تتكرّم بإعطاء نماذج من هذه الصواريخ على الأقل إلى الجيش اللبنانيّ، أو في أضعف الإيمان تقترح على هذا الجيش القيام بدورات تدريبيّة ومناورات مشتركة.

ومن أسباب الحنق الصبيانيّ على الخطوة الرّوسية أنّهم يوم اندلع القتال في منطقة القوقاز تفاءلوا بأنّه يمكن لطائرات الميغ 29 أن تكمل غاراتها على غوري وتبليسي فتصلي 14 آذار بنارها. والرئيس السوريّ تنطّح يومها لهذه المهمّة. أخذ يمنّي النفس بالتدخل لحماية الأوسيتيين الجنوبيين في لبنان، وطفق وزير خارجيته يتحدّث عن صعوبة ترسيم الحدود سواء كان من الشمال إلى الجنوب أو من الجنوب إلى الشمال بسبب "الإختلاط السكّاني" بين البلدين.

فكانت نتيجة هذا القياس المغلوط على النموذج القوقازيّ أن نال لبنان الدولة مساعدة عسكرية روسيّة ثمينة، في ظلّ ترحيب من قوى 14 آذار، وتبادل الإشادات بين وزير الدفاع الياس المرّ والنائب سعد الحريريّ بأهمية زيارة كلّ منهما إلى روسيا.

وروسيا هذه، روسيا التي خلعت عن نفسها عباءة الإلحاد والشيوعيّة لتعود إلى أصالتها الأرثوذكسيّة، كانت واعية تماماً بأنّها تستقبل أحد أبرز ممثلي الأرثوذكس في الدولة اللبنانيّة، وهذه الطائفة إن كانت الثانية من حيث العدد بين مسيحيي لبنان فإنها الأولى من حيث العدد بين مسيحيي سوريا، ولا يمكنها إلا أن تشعر بإرتياح بالغ لهذه الزيارة ووقعها الحسن ونتائجها المفيدة.

لقد كان مشهدياً هذا العام كيف تدفّق المؤمنون الأرثوذكس في لبنان كما في سوريا إلى كنائسهم لوداع بطريرك موسكو وسائر المشرق ألكسي الثاني، كما كانت زيارة المرّ إلى موسكو مناسبة لتقديم واجب التعزية أيضاً. الأرثوذكس سواء في لبنان أم في سوريا يدركون جيّداً أن الضمانات الرّوحية والوجوديّة لا ينالونها لا من أنظمة أصوليّة ولا من أنظمة مخابراتية، وليست هذه الأنظمة تقف بعد الآن وسيطاً بينهم وبين روسيا.

فحتى لو أنّ الخطوة الرّوسية جاءت على مستوى تدعيم الدفاع الإستراتيجيّ للدولة اللبنانيّة إلا أنّها تأتي معبّرة أيضاً عن مقاربة أخرى للمسألة الشرقية، مسألة مسيحيّي الشرق. والسؤال الذي يطرح نفسه حينها: إن كان الأرثوذكس يتجهون شمالاً صوب الشرق الذي يعنيهم، الشرق الرّوسي، وليس صوب شرق النظامين السوريّ والإيرانيّ، فما حال الموارنة، أركان الكنيسة الغربيّة، الكاثوليكيّة، في الشرق؟

كلّما رحنا نقلّب في المسألة وجدنا أسباباً وأسباباً للإمتعاض والتبرّم والحنق في معشر "الممانعين" الذين غالوا في حذاء الزيديّ أكثر مما يتصّوره عقل أو ضمير وعاجلوا التسليح الرّوسي للجيش بالتشكيك؟

والمشكلة تتجاوز الحنق بحدّ ذاته. إنّها مفارقة ملعونة. ثمّة من يتصوّر أن وطنيّته تكتمل بحذاء منتظر الزيديّ وتنقص بتسليح الجيش. هؤلاء يعرّفون وطنيّتهم لا بالإستناد إلى بلد إسمه لبنان، وإنّما بالإستناد إلى العدم المحض.

وهذا فارق آخر بين 8 و14 آذار. في 14 آذار المسألة محسومة: الوطنيّة هي الإلتزام بالكيانيّة اللبنانيّة، والكيانيّة تحفظ بالميثاق. أما في 8 آذار فالمسألة ليست مبتوتة: في الأساس ثمة إنزعاج من أي تطوير للفكرة الكيانيّة الميثاقيّة اللبنانيّة. وداخل تحالف 8 آذار فإنّ "القوميّين السوريّين" هم الأكثر صدقاً: لا يعترفون بلبنان. الأطراف الأخرى أقل صراحة لكنّ أكثرها إما لم يعترف أبداً بلبنان وإما ما عاد يعترف به كميثاق دائم وكيان نهائيّ. وكل ما يجري ترويجه حالياً سواء مسميات "المثالثة" و"المداورة" ينتهج هذا المسلك: تفكيك لبنان.

فإن لم يكن بناء قدرات الجيش معيار الوطنيّة، فما هو المعيار. وإن لم يكن الحياد الإيجابيّ معيار الوطنيّة، ما يكون المعيار؟ المزايدة على الدول العربيّة الأخرى؟ المزايدة على الشعب الفلسطيني المظلوم وإعاقة وحدته الداخلية؟ المزايدة على حضارة شعب العراق وإختزالها في حذاء يقذفه قاذف؟
المعيار الوحيد للوطنيّة في الحداثة السياسيّة هو الدولة الأمّة. الوطنيّ اللبنانيّ هو من يلتزم مشروع تحويل الكيان الميثاق إلى منزلة دولة أمّة، لها ما للدول العربيّة الأخرى وعليها ما على كل الدول من واجبات في العالم.

أما الخيانة الوطنية فهي بالضبط السير في الإتجاه المعاكس: عدم الإعتراف بالكيان. عدم الإعتراف بالميثاق. عدم الإعتراف بالدستور. والمطالبة رغم ذلك بالمشاركة، وبالحق في النقض، والحق في التعطيل، والحق في النسف، والحق في التنكيل، والحق في إشعال ثورة "قرمطية" ضد النظام العربي الرسمي إنطلاقاً من لبنان.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل