الأجوبة الواضحة تؤسس لعلاقات مميزة بين البلدين
ماذا تريد سوريا من لبنان وماذا يريد لبنان منها ؟
من اين ينبغي ان يبدأ لبنان كي يعيد علاقاته الى طبيعتها مع سوريا؟ هل يبدأ بزيارات مسؤولين وغير مسؤولين لها كما حصل حتى الآن تحضيرا للأجواء الملائمة لبلوغ هذه الغاية؟ ام ينبغي ان يبدأ بالدعوة الى عقد محادثات على مستويات رفيعة سواء بين رئيسي الدولتين او بين رئيسي الحكومتين ثم بين الوزراء المختصين بعد وضع جدول اعمال بمطالب تتعلق بما تريده سوريا من لبنان وما يريده لبنان من سوريا، حتى اذا ما تم التوصل الى اتفاق على كل ذلك، تقوم وفود رسمية وغير رسمية بتبادل زيارات الشكر على التوصل الى هذا الاتفاق فتفتح عندئذ صفحة جديدة وتغلق صفحة الماضي بكل شوائبها ومساوئها وعيوبها.
ثمة من يقول، من حلفاء سوريا القدامى الذين انضم اليهم حلفاء جدد كانوا خصوما لها سابقا، ان فتح باب البحث في اعادة العلاقات اللبنانية – السورية الى طبيعتها ينبغي ان يبدأ بتبادل الزيارات تنقية للقلوب والوجدان والذاكرة، لأنه لا يمكن الدخول في مباحثات بين البلدين والاجواء متشنجة والاتهامات والهجمات متبادلة خصوصا ان النظام السوري لا يستجيب اي مطلب لبناني وان كان محقا تحت الضغط والاكراه. ويستغرب هؤلاء كيف ان من كانوا من اللبنانيين والزعماء يزحفون الى عنجر والى دمشق لتحقيق مصالحهم قبل مصلحة لبنان، اصبحوا الآن في موقف معاد لها…
ويرد من هم على خصومة سياسية مع سوريا بالقول ان النظام السوري اعتاد اعتماد سياسة كسب الوقت. فعندما كانت فئة كبيرة من اللبنانيين والقيادات تطالب بانسحاب القوات السورية من لبنان تطبيقا لاتفاق الطائف، وتصدر عن بكركي بيانات تطالب بذلك، كان القريبون من سوريا ينصحون بالتوقف عن ذلك بذريعة ان هذا النظام لا يستجيب اي مطلب تحت الضغط ولا بد من اعطائه فرصة وفترة هدوء كي يصير البحث معه ممكنا ومفيدا. وكانت هذه القيادات ولا سيما بكركي تأخذ هذا الرأي في الاعتبار وتتوقف عن المطالبة بانسحاب القوات السورية من لبنان علَّ ذلك يجعل النظام السوري يأخذ المبادرة ويعلن هذا الانسحاب بنفسه تطبيقا لاتفاق الطائف، وكانت تمر فترة يخرج فيها هذا الموضوع من التداول ومع ذلك لم يكن النظام السوري يقوم بأي مبادرة سوى اطلاق الكلام المعسول وقطع الوعود، ثم توجيه رسائل الى البطريرك الكاردينال صفير تدعوه الى زيارة سوريا واعداد استقبال رسمي له والقول انه لن يخرج من لقائه الرئيس الاسد الا راضيا… لكن البطريرك صفير كان يتردد في استجابة الدعوة خوفا من ان تنتهي زيارته بدون نتيجة، ولا يعلن عن خطوات عملية تتعلق بالانسحاب العسكري السوري من لبنان، فتكون هذه الزيارة مخيبة آمال الناس المعلقة على موقف بكركي الثابت، ويكون النظام السوري قد استفاد محليا وعربيا ودوليا من هذه الزيارة ووظفها لمصلحة اهدافه السياسية، لذلك، فان سوريا لا تستجيب المطالب اللبنانية لا تحت الضغط ولا عندما يتوقف هذا الضغط، وهو ما حصل عند صدور القرار 1559 اذ ردت عليه سوريا بتجاهل ما نص عليه ولا سيما ما يتعلق بانسحاب قواتها من لبنان وفرضت التمديد للرئيس اميل لحود، فكان ذلك سببا لقيام "ثورة الارز" التي ارغمت سوريا على سحب قواتها من كل لبنان، وها هي تحاول الآن برد الرجل، بالانقلاب على هذه "الثورة" من خلال العمل بكل الوسائل لتأمين الفوز لحلفائها في الانتخابات النيابية المقبلة والعودة بلبنان الى ما كان عليه قبل انتفاضة الاستقلال"، اي العودة الى زمن الوصاية السورية وان بالوكالة…
اما القول ان ثمة سياسيين لبنانيين وقادة كانوا يزحفون الى عنجر زمن الوصاية السورية وتشكل زياراتهم المتكررة زحمة سير على طريق دمشق، فانهم كانوا يفعلون ذلك من اجل استعادة السيادة اللبنانية بالتوافق والتراضي، وعندما فشلوا في ذلك ابتعدوا عنها ورفعوا شعار "لبنان اولا". ثم ايهما افضل، من كان مع سوريا ثم ابتعد عنها بسبب سيادة لبنان، ام اولئك الذين كانوا معها وما زالوا ورغم كل ما فعلت في لبنان، او كانوا ضدها ثم صاروا معها مع انها لم تتغير بل هم الذين تغيروا خدمة لمصالح شخصية واهواء ذاتية.
لذلك، فان اعادة العلاقات الى طبيعتها بين لبنان وسوريا في رأي هؤلاء تحتاج الى اتفاق على معالجة موضوع المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية وعلى ترسيم الحدود بدءا بمزارع شبعا او اقله وضع وثيقة خطية ترسل الى الامم المتحدة تعترف بملكية لبنان لهذه المزارع فلا تظل هذه الملكية موضوع شك او نزاع بحيث انها قد تعود الى سوريا بعد تحريرها او تتقاسمها مع اسرائيل بموجب تسوية قد يتم التوصل اليها في المفاوضات غير المباشرة الجارية حاليا، والتي قد تتحول مفاوضات مباشرة.
ويخطئ من يظن ان سوريا تريد اصدقاء او حلفاء لها في لبنان بل تريد تابعين لها وخاضعين لارادتها ولتعليماتها والا تعتبرهم خصوما لها. وهذا السلوك السوري حيال الزعماء اللبنانيين حمل الرئيس صائب سلام على مغادرة لبنان الى سويسرا بعدما اعلن في مؤتمر صحافي انه مستعد لأن يكون صديقا لسوريا وليس عميلا، وعندما غادر العميد ريمون اده لبنان طوعا الى فرنسا بعد ان تعرض لأكثر من محاولة اغتيال وبسبب موقفه الرافض بشدة لاستمرار الوجود العسكري السوري في لبنان وكذلك فعل الرئيس امين الجميل، ودفع العماد ميشال عون ثمن اعلانه "حرب التحرير" عقوبة النفي الى فرنسا ودفع الدكتور سمير جعجع ثمن معارضته استمرار هذا الوجود العسكري سجنا لمدة 11 سنة. واذا كان العماد ميشال عون يعتقد انه بعد تغيير موقفه من سوريا، قد تغير هي موقفها منه، فهو واهم. فهي ستظل تتعاطى معه بمودة الى ان تنتهي وظيفته. هكذا تعاطت مع الرئيس الحريري الى ان حصلت منه بالاكراه على القبول بالتمديد للرئيس لحود واعدة اياه بأن يشكل هو اول حكومة بعد التمديد، وعندما باشر عملية التأليف قبل التكليف الرسمي اكتشف ان سوريا تضع العراقيل في طريقه توصلا الى تكليف سواه وهو ما حصل. وعندما بادر الدكتور سمير جعجع الى الذهاب الى سوريا لتعزية الرئيس حافظ الاسد بوفاة نجله باسل، علَّ هذه المناسبة تفتح الباب لعلاقات طبيعية، واذ بتلك الزيارة تفتح له ابواب السجن… وعندما تكلم النائب وليد جنبلاط عن اعادة تموضع القوات السورية تلقى التهديد والوعيد… وعندما بادر الرئيس السنيورة الى زيارة دمشق كسراً للجليد كان الرد على هذه الزيارة بأنه "عبد مأمور لعبد مأمور"… واذا كان العماد عون يعتقد بأنه اذا استطاع اعادة بعض الصلاحيات لرئاسة الجمهورية من خلال صداقته المستجدة مع النظام السوري، فان هذه الصلاحيات لن يستطيع اي رئيس ممارستها بل ان سوريا هي التي تمارسها عبره وهو ما حصل مع الرئيس سركيس. وبعدما انتقلت بعض الصلاحيات الى رئيس الحكومة ومنها الى مجلس الوزراء مجتمعا إذ لم يكن في استطاعة رئيس الحكومة ممارسة هذه الصلاحيات الا بموافقة سوريا، سواء عند تأليف الحكومات او عند اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء… وهذا معناه ان لا قيمة للصلاحيات سواء كانت لرئيس الجمهورية او للحكومة عندما تكون سوريا هي الآمر الناهي