بعد الكتيبة الروسية وتمويل المحكمة
موسكو تحاول تحييد لبنان عن البازار
غداة صدور قرار مجلس الامن الرقم 1701 عام 2006 وتشكيل القوة الدولية للانتشار جنوب الليطاني، تحت اسم " اليونيفيل +"، اعلنت وزارة الدفاع الروسية ان موسكو ستشارك في المهمة الدولية، من اجل اعادة اعمار لبنان، جراء حرب تموز .
وحمل الاعلان الروسي اكثر من مفارقة، كونه جاء خارج اطار مهمة "الونيفيل" المعززة، بحسب ما اعلن حينها نائب وزير الخارجية الروسي الكسندر سلطانوف، بمهمة محددة وهي المساهمة في اعادة إعمار ستة جسور هدمها قصف الطيران الاسرائيلي( توسعت المهمة لاحقا لتشمل تسعة جسور). والاشارة الثانية اللافتة، جاءت في المكان الذي تمركزت فيه الكتيبة الروسية المؤلفة من نحو 400 عنصر، قرب صيدا، وخارج نطاق عمل القوة الدولية ، على حد ما اعلن نائب وزير الدفاع الروسي آنذاك فلاديمير اياكوف. والاشارة الثالثة هي ان روسيا حددت وجود القوة بانها على اساس اتفاق ثنائي مع لبنان. بعد عامين على الدخول الروسي على خط الازمة اللبنانية، عن طريق نقل كتيبة عسكرية روسية الى لبنان، عادت الاوساط السياسية الى رصد العودة الروسية المحورية على خط الازمة اللبنانية بتشعباتها الاقليمية، بعد الاعلان، خلال زيارة وزير الدفاع الياس المر، عن تزويد الجيش طائرات ميغ الروسية، رافعة سقف تسليح المؤسسة العسكرية الى الحد الذي فتح باب الاجتهادات حول خطوة موسكو.
لكن المتابعين السياسيين للدور الروسي منذ عام 2006، يدرجون البرنامج الروسي، في اطار المظلة السياسية التي تضعها موسكو فوق لبنان منذ عام 2006، نتيجة عوامل اقليمية تسعى الى عزل بيروت عن الصراع العربي مع اسرائيل، وعن خط التفاوض الذي يجري بين سوريا واسرائيل.
وبحسب هؤلاء المتابعين فان مغزى الهبة الروسية، يتعدى المفعول العسكري للطائرات والحديث عن قدرة لبنان على استيعابها وتجهيزها والمجال الجوي الذي تتحرك فيه، طالما ان دولا ذات مساحة صغيرة، كقطر تشتري طائرات من نوع F15L .ويربط هؤلاء بين سلسلة محطات دخلت فيها روسيا على الخط اللبناني، بعد حرب تموز، وفي مقدمها تمويل المحكمة الدولية. ولا يمكن الحديث عن هذا الامر، من دون اعادة ربط التدخل الروسي بالدور السعودي والعلاقة الطارئة بين الرياض وروسيا.
ففي عام 2007 زار وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل موسكو، في اطار جولة دولية لحشد الدعم المالي للمحكمة الدولية. وقد جاءت الموافقة الروسية على تمويل المحكمة، لتنضم الى الغطاء القانوني والسياسي الذي وفرته روسيا لانشاء المحكمة الدولية.
وتزامنت هذه الخطوة مع انفتاح سعودي روسي متبادل، تمثل في زيارة الرئيس الروسي سابقا ورئيس الوزراء الحالي فلاديمير بوتين للرياض العام الماضي، ومع بدء الرياض توقيع اتفاقات عسكرية لشراء اسلحة روسية متطورة، بعد زيارة وزير الدفاع السعودي سلطان بن عبد العزيز لموسكو. ورواحت قيمة الاسلحة الروسية الى السعودية عام 2007، بما بين 8 الى عشرة مليارات دولار اميركي. هذا الانفتاح السعودي العسكري، والذي سعى من خلاله الملك عبد الله بن عبد العزيز الى توسيع دائرة التسليح السعودي، والمفاوضات السياسية في شأن الشرق الاوسط، انعكسا بطبيعة الحال على لبنان، لجهة، دخول موسكو على خط لبنان من زاوية مستقلة لا تماس بينها وبين المحور الايراني – السوري، وتشجيع السعودية حلفاءها في لبنان على الاتصال بروسيا، عسكريا وامنيا، وهو ما ترجمه النائب سعد الحريري في زيارته لموسكو في الاسبوع الاول من تشرين الثاني الماضي، وحديثه منها عن دعم روسيا للمحكمة واعلانه اهتمام لبنان بشراء اسلحة روسية. ويشير المتابعون الى ان محاولات جرت من جانب سوريا بعد زيارة الرئيس السوري بشار الاسد لموسكو، والكلام الايراني عن تنسيق بين البلدين، لكنها لم تؤد الى نتيجة تذكر، على خط اتخاذ موسكو جانب المحور الايراني – السوري، بدليل امرين: اولا الدخول بقوة على خط المحكمة الدولية، وثانيا برمجة برنامج المساعدات العسكرية الى الجيش اللبناني، بعد مقاربة القرار 1701 بمشروع روسي خاص.
وفي هذا الاطار، يمكن الحديث عن اهتمام روسي خاص بالوضع في لبنان نتيجة نظرة متقاربة مع النظرة الاميركية الى موضوع الارهاب، الذي تعنى به روسيا عناية خاصة، وهنا اهمية التسليح الروسي الجديد.
فالقوة الروسية التي تمركزت عام 2006، قرب صيدا والزهراني، كتب كثير عنها في تقارير غربية، عن اهمية التمركز اللوجستي والاستخباراتي، لا سيما في منطقة حساسة امنية، نتيجة تداخل العنصرين الفلسطيني والاصولي، والأخير عانت منه روسيا ولا تزال تخشى منه. وقد جاء الدعم الروسي، بحسب الاوساط المتابعة، ليتقاطع مع دور اميركي، تبلور امس مع كلام مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط ديفيد هايل حول المساعدة الاميركية الى الجيش. اذ ان قائد القيادة المركزية الأميركية الجنرال ديفيد بترايوس الذي زار لبنان اخيرا ثلاث مرات في مدة شهرين، ابلغ من التقاهم من مسؤولين مدنيين وعسكريين، خوف الادارة الاميركية العسكرية، من تقدم لبنان الى المرتبة الثانية في الدول التي يمكن"القاعدة" ان تستخدمها، بعد افغانستان. والمخاوف من خطورة تحول لبنان قاعدة ارهابية لـ"القاعدة"، بعد استتباب الوضع في العراق، اشاعت جوا من الاستنفار في الدوائر الامنية والعسكرية للدول المهتمة بالوضع اللبناني، وبمحاربة الارهاب. ونتيجة خبرة الجيش اللبناني بعد نهر البارد، والنتائج التي حققها، في محاربة الارهاب، بالامكانات المتواضعة، دفعت هذه الدول الى استنفار امكاناتها بالحد المقبول اقليميا ، من اجل تزويد الجيش سلاحا يستطيع معه مواجهة انتقال "القاعدة" الى مراحل متقدمة من العمل الامني. من هنا لا يمكن عزل الحديث عن بؤر امنية جنوبا او شمالا وبقاعا، ولا عن تهديدات للقوة الدولية المعززة، عن حشد المساعدات العسكرية للجيش، وتوسيع دائرة الدول التي يتدرب فيها ضباطه، والتي اصبحت روسيا من بينها، لاكتساب خبرات متنوعة في مجال الامن والعسكر.
اما الاوراق السياسية التي تفرزها هذه المساعدات فتهدف الى عزل لبنان عن البازار السياسي الاقليمي، الذي يمكن ان ينشأ اثر المفاوضات السورية الاسرائيلية. وما يحدث اليوم، اقليميا، ودوليا في اتجاه لبنان، عبارة عن تجميع كل طرف اوراقه واعداد العدة للمرحلة الاقليمية المقبلة التي تبدأ بالانتخابات الاسرائيلية، بعد استتباب وضع الادارة الاميركية، وقبل دخول المنطقة مرحلة انتظار نتائج الانتخابات الايرانية. وفي حين ينصرف اللاعبون المحليون الى تجميع اوراقهم، من اجل الانتخابات النيابية، تتضاعف اهمية تضافر العوامل الدولية في تأمين مظلة للبنان، بعيدا عن البازارات المجاورة، وخصوصا ان ما يمكن واشنطن وموسكو ان تتفاوضا عليه في لبنان، يمكن ان ينطبق على اكثر من نقطة في العالم حيث لهما مصالح حيوية مشتركة.