كيف تقاطعت العلاقات الروسية ـ اللبنانية؟
الهبة الروسية للمؤسسة العسكرية اللبنانية بـ10 طائرات ميغ، تشكل برهاناً على اتجاه العلاقات المتقدمة التي دشنها الرئيس رفيق الحريري في منتصف التسعينات من القرن الماضي، والتي يواصلها في مسيرته نجله النائب سعد الحريري. ويأتي هذا الدعم تتويجاً للزيارة الاخيرة للنائب الحريري في الشهر المنصرم بعد مشاوراته مع قوى 14 آذار والتي اكدت ضرورة اعطاء تسليح الجيش اهمية خاصة، لتعزيز قدراته العسكرية ولصيانة المعدات والتجهيزات العسكرية لأهداف دفاعية، على شاكلة البلدان العربية الاخرى التي تتلقى مساعدات وتسهيلات في الحصول على اسلحة روسية احدث تطوراً وبتقنيات عالية.
لم تحظَ العلاقات اللبنانية ـ الروسية بأهمية قبل زيارة الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى موسكو عام 1997، اذ كانت العلاقات الروسية ـ العربية مرتبطة بدول سعت الى اكتساب الخبرات العلمية والعسكرية من الاتحاد السوفياتي سابقاً وفي مقدمها العراق وليبيا ومصر العربية. الا ان الانفتاح الروسي شهد تطوراً ملحوظاً مع الدول العربية الاخرى عقب انهيار المعسكر الشرقي بالرغم من ان عهد بوريس يلتسين كان يواجه تحديات داخلية خطيرة، بل تراجع الدور وقتئذ على المسرح الاقليمي بسبب التوجه الجديد لحكومة الكرملين نحو العواصم الغربية قصد الحصول على مساعدات اقتصادية. ومهما كانت الصعوبات في ادخال اصلاحات للدفاع عن قوة روسيا الاقتصادية والعسكرية فإن سياستها الخارجية ظلت مواكبة للتطورات الحاصلة، ولاسيما ان الدور الروسي كان بمثابة الراعي الثاني لعملية السلام، مما اعطاه وزناً مؤثراً في اوضاع المنطقة. وفي ظل تلك المستجدات كان للرئيس الحريري تطلع نحو مدّ جسور العلاقات التعاونية مع موسكو بدافع ان روسيا دعمت الموقف اللبناني ازاء الممارسات العدائية الاسرائيلية والتصدي لمحاولات تقسيم لبنان الى كيانات واجزاء مترامية متقطعة من ناحية، بالاضافة الى ان روسيا كانت تواقة للدفاع عن مصالحها الخارجية لا سيما مع البلدان العربية بعدما اعتمدت اولوية المصالح القومية وتجاوزت الاهداف الايديولوجية، من ناحية ثانية. وفي هذا الاطار، اثناء تلك الزيارة، وقع الشهيد الحريري عدداً من الاتفاقيات بين البلدين بهدف تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري عن طريق تشجيع الاستثمارات وفتح فروع مصرفية لبنانية في روسيا، علاوة على توقيع اتفاق للتعاون الثقافي والمهني والتقني بين البلدين. لكن يبقى تصريح يفغيني بريماكوف وزير الخارجية السابق شاهداً بان "زيارة الرئيس الحريري حدث كبير بالنسبة الينا، باعتبارها اول زيارة لرئيس حكومة لبنان". اما بالنسبة لعهد فلاديمير بوتين فكان اهم الحقب التاريخية مع العالم العربي، بحيث لم تقتصر العلاقات على ايفاد مبعوثين ومسؤولين من مستويات وزارية ورسمية فقط, انما تخطت زيارة حاكم الكرملين شخصياً للمغرب والجزائر والمملكة العربية السعودية وفلسطين المحتلة، الغاية من ورائها استعادة فاعلية الموقع الروسي في المنطقة الاقليمية، اما بحرصها على الحفاظ على اصدقائها "حلفائها" واما المحاولة لتمتين روابطها مع اصدقاء جدد، لاسيما اوساط الكرملين اضحوا يستفيدون من الاخطاء الاميركية الناجمة عن القرارات المنحازة والمتعاطفة مع الكيان الاسرائيلي مرة، والبحث عن مصادر تمويلية واسواق جديدة تمكنهم بتفعيل دورهم واداء دور يمنع استفراد الولايات المتحدة بقرارات الصراع العربي ـ الاسرائيلي مرة اخرى، خاصة ان روسيا هي احدى دول الاعضاء في اللجنة الرباعية في المفاوضات السلمية. ومن هذه الحسابات اتى التقارب السعودي ـ الروسي ورسخ جملة من القنوات التواصلية لمصلحة البلدين، لاسيما الثقل السعودي كان العامل الاساسي في تغيير النظرة الروسية لما تواجهه الدول العربية من مضايقات احياناً وتقصيرات اميركية حيالها احياناً اخرى في قضاياها العالقة. بالتالي، ان المنعطف الروسي نحو الحكومة اللبنانية هو حصيلة ضمن المساعي العربية ومجهودات رسمية لبنانية ساعدت على دفع عربة تبادل العلاقات والمصالح بين البلدين، وكذلك تغيير الرؤية الروسية تجاه سياسة لبنان التي بموجبها اظهرت ايجابيتها مع الدولة اللبنانية كون التقاطع في العلاقات افتقر الى العراقة التاريخية مقارنة بسوريا. لكن ذلك لم يمنع روسيا من اتخاذ مواقف واضحة مساندة او حيادية في قضايا لبنان، اهمها دعم المحكمة الدولية مالياً، بالاضافة الى الالتزام بعدم معارضة التصويت على القرار الرسمي 1757 المتعلق بادراج المحكمة الدولية تحت الفصل السابع، بما شكل صفعة قوية للنخبة الحاكمة السورية باعتبار انها ظلت تعتقد اعتقاداً جازماً بأن علاقاتها "التحالفية" مع موسكو تحول دون تمرير قرار لا يتطابق مع اهدافها.
الحاصل ان المعونة العسكرية الروسية للبنان احدثت نقلة نوعية بين حكومتي البلدين، خاصة انها تأتي من دولة تراها كل من دمشق وطهران حليفة لهما. كما ان هذا الانجاز الثمين يحفظ للحكومة الحالية وقيادة تيار "المستقبل" تعزيزاً لها في اتباع الخيارات الدفاعية الوطنية ضد جميع الاحتمالات الانقسامية او العدائية، دون تجاهل ان ثمة عواصم عربية واجنبية ابدت استعدادها لتزويد الجيش اللبناني اسلحة ومعدات دفاعية متنوعة الاستخدام، لأن الجهود المبذولة المثمرة ما هي في الواقع الا لدفع الاستراتيجية الدفاعية نحو مستوى الطموحات المأمولة وتحصينها من اي مناورات او انشقاقات. ولا يغفل بأن ضغوط اللوبي الصهيوني بهدف تبني الاعتراض الاميركي بتقديم مساعدات الى لبنان، جعلت البحث بصورة جدية ومجدية عن مصادر اخرى لتسليح الجيش الوطني كأمر لا مناص منه، لأن الولايات المتحدة التي بخلت بمدّ العون بأسلحة ثقيلة في اوقات الرخاء فكيف الوثوق بها في ايام العسر والشقاء؟!