حدثان يذكّران بـ "ذلّ" أصاب لبنان
الجمعة 12 الجاري، اتخذ مجلس الامن الدولي قراراً بتمديد ولاية القوة الدولية الموجودة في الجولان السوري المحتل منذ العام 1973 لمدة ستة أشهر اخرى تنتهي في 30 حزيران 2009. وفي اليوم التالي، لدى انعقاد مجلس الوزراء في قصر بعبدا، حصل نقاش حاد قبل تسمية أعضاء الهيئة الموكل إليها الاشراف على انتخابات 2009 النيابية، حيث حركت المعارضة مجدداً ما أسمته هي "الثلث المعطل".
نتوقف عند الحدث الاول، للمقارنة بين الطريقة التي عوملت بها القوة الدولية الموجودة في الجولان، بموجب القرار الدولي رقم 338، والطريقة التي عوملت بها القوة الدولية الموجودة في جنوب لبنان، بموجب القرار 1701، الذي صدر عن مجلس الامن اثر حرب تموز 2006.
كما نتوقف ملياً عند ما حصل في مجلس الوزراء اللبناني المشار اليه للتذكير بمجمل طروحات المعارضة وسلوكياتها، المتعارضة كلياً مع نص الدستور وروحه خلال السنوات الاربع الماضية والتي أدت وتؤدي الى شل السلطة في الجمهورية اللبنانية.
أمن الجولان المستتب
الجولان السوري المحتل من قبل اسرائيل، اثر حرب 1973، ما زال ينعم بالامن كلياً، من خلال المعطيات الاساسية التالية:
1 ـ تمارس القوة الدولية صلاحياتها الامنية من دون أي عائق، صادر عن اسرائيل وسوريا معاً.
2 ـ لا وجود لأي سلاح غير شرعي هناك.
3 ـ تمنع السلطات السورية اي تحرك ضد الاحتلال الاسرائيلي.
4 ـ ولا تسمح بأي مقاومة مسلحة ضد الاحتلال الاسرائيلي.
مفارقات الجنوب اللبناني
من حيث المبدأ وبناء على مضمون القرار 1701، تنتشر القوة الدولية المعززة على رقعة تمتد من نهر الليطاني الى الحدود اللبنانية ـ الاسرائيلية، يؤازرها في تنفيذ مهامها 15 ألف جندي لبناني. ومن الملفت هنا:
1 ـ تعرض القوة الدولية لعدة اعتداءات من قبل قوى ارهابية، مجهولة المصدر.
2 ـ السلاح غير الشرعي باق في هذه المنطقة بكل أدواته، وان لم يكن ظاهراً. هذا السلاح هو حصراً سلاح "حزب الله"، الذي ما زال يتباهى بترسانته الصاروخية، ذات المنشأ السوري والايراني.
3 ـ تعجز السلطة اللبنانية عن معالجة هذه الحالة غير الطبيعية، في موازاة موقف الحكام السوريين، الذين فرضوا سلطتهم الكاملة على المنطقة المقابلة للاحتلال الاسرائيلي في الجولان.
4 ـ أكثر من ذلك، تتبع السلطات السورية، علناً أو ضمناً، سياسة التحريض والمقاومة من لبنان ضد اسرائيل، لزعزعة الاستقرار اللبناني.
5 ـ والمعارضة اللبنانية، التي تمسك بأعناقها الوصاية السورية، لا تدرك مخاطر دعم السياستين السورية والايرانية تجاه لبنان.
كبوة "حلفاء الوصايتين"
هناك في لبنان، حلفاء بل أدوات جاهزة تلقائياً لتغطية اطماع سوريا وايران في لبنان، ظاهرة غريبة جداً، لا نجد لها مثيلاً في أي بلد عربي وفي أي دولة في العالم.
الاسماء معروفة جيداً والسلوكيات، التي تتعارض كلياً مع بديهيات الحس الوطني.
الاغتيالات السياسية، التي استهدفت رموزاً وطنية لم تحرك فيهم اي ضمير، والتصفيات الجسدية التي استهدفت تحديداً الاكثرية النيابية ومن ينتسب اليها، دون سواها وسواهم، نظروا اليها بعين المستفيد منها، نكاية وحقداً، خدمة لمصالح لهم ضيقة لا تشرفهم، اخصامهم لديهم مشروع بناء دولة مستقلة وحرة، وهم يلعبون لعبة اللادولة.
تمثل كل ذلك في خروقات بينة للدستور اللبناني، في اكثر من مجال.
هوية الثلث القانونية
نصت المادة 69 من الدستور على الحالات الست التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة. ورد في الفقرة الثانية حرفياً ما يلي: "اذا فقدت اكثر من ثلث عدد اعضائها المحدد في مرسوم تشكيلها".
لم يرد فيها اي شيء يدل على ان الثلث هو ثلث معطل وان هذا الثلث من حق المعارضة. ومن حيث المبدأ لا نجد في اي حكومة في العالم معارضة ينحصر فيها هذا الثلث.
المقصود من ذلك النص هو فرضية نشوء الثلث المذكور، في شكل طبيعي ومتحرك، بعيداً عن عنصري موالاة ومعارضة. وحصر ذلك الثلث بالمعارضة هو سلاح لشل السلطة.
تعطيل الانتخابات الرئاسية
انتهت ولاية اميل لحود الممددة المشؤومة، ولم ينتخب الرئيس البديل ميشال سليمان إلا في 25 أيار 2008، اي بعد فراغ رئاسي استمر ستة أشهر. لماذا وكيف حصل الامر؟
نسف كل المواد الدستورية المتعلقة بشروط اجراء الانتخابات الرئاسية:
1 ـ في المادة 49، ورد حرفياً ان الانتخاب يجري في دورتين. "في الدورة الاولى بغالبية الثلثين ويكتفى بالغالبية المطلقة في الدورات التي تلي. ولم يرد أي كلام عن نصاب معين. فسرت المعارضة ذلك بضرورة حضور الثلثين في الدورة الاولى، وقصدوا بذلك منع انتخاب الرئيس.
وفي المادة نفسها ورد فيها شرط انتخاب موظف تابع للفئة الاولى خلال القيام بوظيفته وخلال السنتين اللتين تليان تاريخ انقطاعهم عن وظيفتهم. مما يقضي بتعديل دستوري يجعل الأمر ممكناً. فاعتبر رئيس مجلس النواب ان لا ضرورة لاحترام ذلك، وجرى انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان على هذا الاساس.
وحول موضوع انتخاب الرئيس، ورد في الماد 73، أن مجلس النواب يلتئم "قبل موعد انتهاء ولاية الرئيس بمدة شهر على الاقل او شهرين على الاكثر، ويجتمع المجلس "حكماً في اليوم العاشر الذي يسبق اجل انتهاء ولاية الرئيس".
لكن مضى الشهر والشهران والايام العشرة، من دون انتخاب الرئيس البديل، وعمد رئيس المجلس نبيه بري الى التفرد بخرق واضح لهذه الاحكام، عن طريق اقفال المجلس النيابي كما جاء في المادة 74 حرفياً: "اذا خلت سدة الرئاسة بسبب وفاة الرئيس او استقالته او سبب آخر، فلأجل انتخاب الخلف يجتمع المجلس فوراً بحكم القانون".
وبدل ان يجتمع المجلس "فوراً"، بعد خلو سدة رئاسة اميل لحود، تمادى الرئيس بري وحلفاؤه في اذلال موقع رئاسة الجمهورية، من خلال الاصرار على رئيس توافقي، طلبوا من البطريرك طرح لائحة اسماء، ونعرف جيداً نهاية هذه المسرحية.
موقف تحدٍّ للأصول، برعت فيه، جهات غير مسيحية، باتباع سياسة "العين البلقة" في التآمر على موقع رئاسة الجمهورية، وهو سلوك يخل بالتوازنات الاساسية في لبنان، وان شارك في تلك العملية ماروني مارس هنا الالحاد السياسي.
طي صفحة طعن الدستور
أشرنا الى تلك المخالفات الدستورية والوطنية، بنية الدعوة الى وقفها نهائياً والاستعداد الجدي لإنهائها كلياً.
لا يستقيم الوضع السياسي العام في لبنان، إلا بممارسة احترام الدستور والقوانين، كي يتمكن نظامنا السياسي من أداء مهامه بصورة طبيعية.
على مستوى التعامل مع الحكومات والرئاسة الاولى، لا يجوز ان يكون هنا مزاج او حسابات شخصية وفئوية.
ألا نلاحظ ان التلاعب بقواعد هذا النظام أدى عملياً الى شل الحياة السياسية والى شلل الادارات العامة، التي هي في حاجة ماسة الى اعادة النظر فيها.
هناك عدد هائل من الشواغر في الادارات العامة، التي تتهرب الحكومة من ملئها، لسبب واحد وأهمها تنامي ميكروب المحاصصة والتدخل السياسي في ادارات هي ملك الدولة، كما هناك تهرب من التشكيلات والتعيينات الضرورية.
يقال ان المجلس النيابي هو ام المؤسسات الرسمية، من هنا ضرورة السعي الى تطبيع وضعه، بحيث يمارس دوره التشريعي والرقابي والانتخابي، بعيداً عن تسلط رئيسه.
من هنا أهمية الانتخابات النيابية المقبلة. وتحضرنا هنا أربع أمنيات.
1 ـ ان تجري الانتخابات في جو هادئ أمنياً، بحيث يتمكن الشعب اللبناني من التعبير عن خياراته الحرة.
2 ـ ان يثبت المواطن ـ الناخب اللبناني قدرته على اختيار من يمثلونه فعلاً وهم اهل للعب دور كبير في بناء دولة سيدة وحرة في كل المجالات.
3 ـ ان تسفر الانتخابات النيابية عن انتخاب كتلة نيابية كبيرة، بل اكثرية نيابية تمارس حقها الدستوري بالكامل، هذه المرة، خلافاً لما جرى سابقاً.
4 ـ بحيث تعود الممارسة الديموقراطية الصحيحة، اكثرية تحكم واقلية تعارض من دون المشاركة في الحكم. لأن جمع الفريقين في حكومة واحدة هو الوسيلة الفضلى لتعطيل الحياة السياسية في لبنان.
مأساة السلاح
كي تتمكن الدولة اللبنانية من فرض سيادتها على جميع الاراضي اللبنانية، خصوصاً في الجنوب والمربعات الامنية، التي يفرضها "حزب الله" بقوة سلاحه، الذي راح يهدد امن لبنان الداخلي وخرج عن اطار المقاومة، التي فقدت كل مبرراتها وجدواها، لا بد من انهاء اي سلاح غير شرعي… ولا ننسين هنا عملية 7 أيار وخطورة ما جرى فيها على مستوى العاصمة وجبل لبنان مثلاً.
لا يمكن ان يستمر وضع حزب لبناني الاسم واقليمي المنحى في سياسة التحدي، التي يمارسها.
في وقت قريب جداً، ينبغي ان يخرج لبنان من هذه الحالة غير الطبيعية، بحيث يبادر "حزب الله" الى تسليم كل سلاحه الى الدولة اللبنانية، التي تحمي وحدها اللبنانيين وجميع المقيمين على الاراضي اللبنانية.
وتسليم "حزب الله" سلاحه الى الدولة، لا سيما ذلك المنتشر في منطقة عمل القوات الدولية، هو ضرورة ملحة، كي تتمكن القوة الدولية من تنفيذ مهامها بالتعاون الوثيق بينها وبين الجيش اللبناني، في شكل كامل وسليم.
حالة الأمن المستتب في الجولان السوري هو مثال يغري لبنان واللبنانيين. مع العلم اننا لسنا في حاجة الى تقليد أي غير، عندما يتعلق الامر بما هو اصلاً من واجباتنا الذاتية الطبيعية، التي لا تحل مكانها أي وصفة خارجية.