دول غربية مستاءة من موقفه من المفاوضات غير المباشرة
لبنان يرفض أن تكون المزارع ورقة في البازار السوري – الاسرائيلي
كرّر رئيس الجمهورية ميشال سليمان قبل يومين أمام نائب مساعد وزير الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الاوسط ديفيد هايل، موقف لبنان الرافض اجراء مفاوضات مباشرة او غير مباشرة مع اسرائيل، الا في اطار السلام العادل والشامل ووفقا لقرارات الشرعية الدولية والمبادرة العربية. وهذا الامر يثير لدى البعض اسئلة متعددة، خصوصا ان لبنان يرى غير ما يراه اصدقاء له من دول فاعلة ومهتمة به، اذ سبق لبعض الدول كايطاليا ان فاتحت لبنان في الموضوع وعرضت عليه خدماتها، على ان تتولى هي رعاية المفاوضات غير المباشرة بين لبنان واسرائيل. ورفض لبنان انذاك ذلك. وسأل المسؤولون اللبنانيون الذين فوتحوا بهذا الامر وزير الخارجية الايطالي فرنكو فراتيني الذي تولّى هذه المهمة آنذاك اذا كانت بلاده تستطيع ان تعيد مزارع شبعا الى لبنان، فأجاب بالرفض، فقالوا ان لا شيء اذاً يدعو لبنان الى التفاوض مع اسرائيل. اضف الى ذلك ان ان لبنان يتحدث عن اطار للسلام هو اطار السلام الشامل والعادل، في حين ان سوريا تجري مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل برعاية تركية، وتطمح الى ان تتولى الولايات المتحدة هذه الرعاية مع الادارة الاميركية الجديدة، وكذلك الامر بالنسبة الى الفلسطينيين الذين يجرون مفاوضاتهم المباشرة مع اسرائيل ايضا. فماذا يكون مفهوم السلام العادل والشامل في هذه الحال؟ وهــل عــدم إقــامــة لبنان مفاوضات غير مباشرة بينه وبين اسرائيل يمكن ان يترتب عــلــيــه ان يفاوض الآخرون عنه وعلى حسابه؟
مصادر رسمية كشفت ان عدداً من الدول الغربية منزعج من لبنان في هذا الموضوع، وفي مقدم هذه الدول الولايات المتحدة الاميركية التي تشكو من عدم تجاوبه مع دعوتها الى اجراء مفاوضات غير مباشرة بينه وبين اسرائيل.
وكان بعض المسؤولين الاميركيين حاول تشجيع لبنان على اعتماد التفاوض غير المباشر مع اسرائيل اسوة بسوريا والفلسطينيين، بحيث تكون المسارات الثلاثة متكاملة. وثمة من يرجح أن ينسحب على الادارة الاميركية الجديدة. لكن لبنان، على ما تقول هذه المصادر، يتمسك بموقفه لاسباب مبدئية، بقطع النظر عن كون الاجواء غير مؤاتية راهنا وان هناك انتخابات اسرائيلية على الابواب تمنع معرفة اتجاهات الحكومة المقبلة منذ الان. والاميركيون يعرفون ذلك منذ مؤتمر انابوليس في تشرين الثاني من العام 2007 حين دافع لبنان عن مبدأ التسوية الشاملة وعن كونه جزءا منها، معرباً عن عدم نيته الدخول في اتفاقات ثنائية. هذه الاسباب المبدئية تستند الى منطق ان لبنان لا يملك اي شيء للتفاوض حوله. فمزارع شبعا لا تعترف بها اسرائيل أرضا لبنانية لكي يفاوضها لبنان على الانسحاب منها ولا حتى المزارع في عرف الامم المتحدة لبنانية ما دامت سوريا لم تسلمها الوثائق المطلوبة لإثبات لبنانيتها، وتاليا اخضاعها للقرار 425 للضغط على اسرائيل من أجل الانسحاب منها، ولذلك هي حتى الساعة أراض سورية تخضع للقرارين 242 و338، وتاليا فان لبنانية المزارع، وان أقرّ الجميع بلبنانيتها، تحتاج الى ان تكون مسندة تبعا لذلك. ومــا دام لا خــلاف على ارض محتلة للبنان وفق هذا المنطق، فلا حاجة الى التفاوض.
فاذا تم التفاوض حولها على نحو غير مباشر، هل تتم اعادتها الى لبنان ام الى سوريا في هذه الحال؟
وثمة أسباب أخرى أساسية، في مقدمها ان كون سوريا تفاوض اسرائيل فإن دخول لبنان المفاوضات على مستوى ثنائي وبعيدا من المفاوضات الشاملة التي تعني كل المسائل الاخرى وفي مقدمها موضوع التوطين، يعني ربط مساره بالمسار السوري عن طريق مزارع شبعا، أي تصبح المزارع ورقة في التفاوض السوري – الاسرائيلي الجاري راهنا والذي من المتوقع ان يستكمل علنا ومباشرة في الاشهر المقبلة في حين ان لبنان لا يرغب في ادخال المزارع في اي بازار بين الطرفين السوري والاسرائيلي. اضف الى ذلك ان لبنان لا يريد ان يفاوض على المياه ولا على أي أمر آخر، بل يعمل من اجل تثبيت واقع الهدنة التي نص عليها القرار 1701 مجددا برعاية من القوة الدولية العاملة في الجنوب.
وهناك اسباب اخرى لا تقل أهمية تتعلق بالوضع الداخلي الذي لا يسمح في ظل الانقسامات الحادة بالخوض في ملف سيثير حكما الكثير من التشنجات، ولا يحتمل لبنان ذلك. ثم ان التفاوض في ذاته لا يشكل اي قيمة مضافة راهنا الى وضع لبنان الداخلي أو الخارجي، مع أن الدول المهتمة ترى غير ذلك.
لكن لبنان يتمسك بالقرارات الدولية ولا ينوي الذهاب الى التفاوض على عكس ما يطالب به من تنفيذ لهذه القرارات، أي وضع المزارع تحت الوصاية الدولية تمهيدا لإعادتها الى لبنان لاحقا. وهذا الموقف مهم لكون الاكثرية والاقلية على توافق معلن في هذا الاتجاه وهو الذي عبّر عنه رئيس الجمهورية على رغم وجود بعض آراء مختلفة لدى بعض المسؤولين السياسيين.