الصراع الحالي غير مسبوق في تاريخ لبنان وتفسيراته غير كافية
8 آذار تخوض الانتخابات ضد "غائب" تنكر عليه حقّ الوجود
ليس الصراع القائم في لبنان، منذ انفجار أزمة الوصاية السوريّة في خريف 2004 وإلى اليوم مجرّد صراع سياسيّ، حول من يحكم ومن يعارض، وكيف يحكم من يحكم وكيف يعارض من يعارض. لو كان الأمر على هذه الشاكلة لارتسم أفق الإنفراج في آخر المطاف. ولا يبدو أن للإنفراج من أفق.
ليس في تاريخ لبنان صراع يماثل ما يقاسيه البلد منذ خريف 2004، واتخذ بعداً استقطابياً واسع النطاق منذ آذار 2005، وارتسمت حدود المواجهة فيه بين شباط 2006 وحرب تمّوز.
جذور إجتماعيّة؟
البعض حاول أن يفسّر غرابة الصراع القائم منذ لحظة "التمديد" وإلى اليوم بشتى الوسائل. كعادة كل المثقّفين في العالم الثالث لجأ روّاد التنظير السريع من الجهتين إلى ما تيسّر من مصطلحات لتفسير "الجذور الإجتماعية" للصراع بين "8 و14". ازدهر الحديث عن "المدينة في مواجهة الرّيف" في الهامش الثقافي لـ 14 آذار، والبعض طوّر ذلك للحديث عن "المدينة في مواجهة ضواحيها". وعلى المقلب الآخر، راج الحديث في بعض ملحقات 8 آذار عن "صراع طبقيّ" بين "تيار المستقبل" المفترض أنه يمثّل البرجوازيّة وأركانها وبين "حزب الله" المفترض أنّه يقوم مقام البروليتاريا وحزبها الطليعيّ. ووفقاً لهذا الإسقاط السرياليّ صار المسيحيون بحكم البرجوازية الصغيرة المنقسمة على نفسها، تبعاً للمأثور الماركسي، ففريق من هذه البرجوازية الصغيرة يتّخذ موقفاً شريفاً إلى جانب البروليتاريا، وهم العونيّون، وفريق منها يوالي البرجوازية الكبيرة، "تيار المستقبل".
النظرية الأولى، "الأرياف والضواحي تجتاح المدن"، كان لها بالتأكيد معطيات تسندها على أرض الواقع، وإنما ليس بالشكل الكافي، وبالأخص عملياً، إذا ما أريد بلورة أدوات من شأنها كفّ الإجتياح الذي تشخّصه هذه النظرية على نحو بعينه.
أما النظرية الثانية، التي تزعم وجود "صراع طبقي بين 8 و14 آذار" (وفشل مطلقها في الإتيان بإستشهاد واحد سليم لكارل ماركس) فجاءت تبريرية صرف لمختلف أشكال العنف (تبرير الإغتيالات، تبرير الوقوف ضد المحكمة الدولية، تبرير تغطية الإرهاب في معركة نهر البارد، تبرير إتهام من حارب الإرهاب في نهر البارد بالإرهاب، تبرير حركة 7 أيّار النصف إنقلابية النصف انفصالية، التهديد بإحياء 7 أيّار).
تأصيل ثقافيّ
أيّاً يكن من شيء، وبصرف النظر عن حدود مطابقة نظرية "المدينة ضد الرّيف" مع الواقع، فقد كتبت الغلبة لهذه النظرية على مستوى القابلية للتصديق بعد أن فرض على المدينة الحصار ثم جرت عليها محنة الإستباحة. أما القائلون بنظرية "طبقة 8 ضد طبقة 14" فلم يستطيعوا أن يقنعوا أحداً في معسكرهم، خصوصاً بعد أن استخدمت لافتة "الإتحاد العمّالي العام" في 6 أيّار 2008 لتبرير إستباحة المدينة وأهلها.
وقبل أحداث أيّار، وبالتحديد في وثيقة 14 آذار التي طرحت في مؤتمر البيال، كان تعريف طبيعة الصراع السياسي بعمقه "الثقافيّ" هو الذي احتلّ مركز السجال. قالت 14 آذار يومها أن الصراع هو بين ثنائية "ثقافة الحياة" من جهة، و"ثقافة الموت" من جهة أخرى، وأن الصراع القائم هو بين أهل الوصل وأهل الفصل. وهذه النظرية أيضاً بقيت تحتاج لتطويرها مبنى ومعنى، وذلك في إتجاهين رئيسيين:
– حيث أنه من المفترض أوّلاً أن يكون أهل الوصل على إستعداد للوصل مع أهل الفصل، بمعنى عدم ترك أي مناسبة للحوار والتسوية إلا واجترحتها أو انخرطت فيها محاولة تثميرها بهذا الإتجاه.
– وحيث أنه من المفترض أن تكون ثقافة الحياة والسلام هذه شاملة، ترفض إحتكار مجموعة بعينها لقرار الحرب والسلم لا من باب المزايدة "القتالية" على هذه المجموعة، وإنما من باب الإلتزام الواضح بهدف سام هو السلام الدائم والعقلاني في منطقة الشرق الأوسط.
لكن المشكلة هي أن متكلّمي 8 آذار وقتها قامت قيامتهم ضد وثيقة بيال ليس لجهة ما فيها من نقص أوضحناه، وإنما لجهة إحتمالها لمثل هذا النوع من الإيضاحات.
والمشكلة أيضاً أن 8 آذار كانت ترفض أن يقال إن الصراع "ثقافيّ" في لبنان، لكنها كانت تصرّ على وصفه بالصراع "الأيديولوجي" ولا تزال. وليس بين التعريفين من كبير فرق في هذا المجال، إلا لجهة الإنحياز.
فبدلاً من مقولة "الصراع الثقافي" بين أهل الوصل وأهل الفصل، راحت قوى 8 آذار تؤكّد أنّ الصراع هو بين أيديولوجيا "الممانعة" وبين أيديولوجيا "الخنوع والإستسلام"، وأن الموقف من أي فريق أو قوة في لبنان هو على أساس موقعه "مع أو ضدّ" الإمبرياليّة العالمية، تلك التي يروى بأن منتظر الزيديّ هزمها بحذاء (علماً انّه يسجّل للشخص قوله بنظرية "الإحتلالين الأميركي والإيراني" في العراق، وهي نظرية شعبوية دون ريب لكنها أقل ابتعاداً عن الواقع من أهل الشطط الآخرين في دنيا الممانعة).
17 أيار؟
وفي الوقت نفسه الذي تروّج فيه "مدرسة الحذاء" لهذا الصراع الأيديولوجي المحتدم بين 8 و14، يبرز من يفسّر الصراع على أنّه بين "تحالف الأقلّيات من قزوين إلى المتوسط" وبين الأكثرية المذهبية القائمة في الشرق الأوسط، ولعلّ الجامع بين النظريتين هو النائب شامل موزايا الذي هدّد البعثات الدبلوماسية الأجنبية بأحذية منتظرية ويفخر في الوقت نفسه بـ"تحالف الأقليات" كعقيدة شاملة.
في الواقع يكفي الجمع بين تفسير الإستقطاب على أنّ قوامه "تحالف الأقليات" وبين تفسيره على أنه "ممانعة ضد الإمبريالية" لتهافت الأمرين معاً. وما أن يحدث هذا التهافت حتى تبرز بالضبط طبيعة الصراع: قوى 8 آذار تتهم 14 آذار بأنها تريد العودة إلى 17 أيار. قوى 8 آذار تؤكد مع ذلك أنّ لقوى 14 آذار 17 أيار الحق في المشاركة في الإنتخابات، وانّ الإنتخابات هي وسيلة لترجيح كفّة "الوطنيين" ضد فريق 17 أيار، مثلما أن "الثلث المعطّل" هو الوسيلة الآن للقيام بذلك. صبحاً ومساء تصرّ 8 آذار على أن قوى 14 آذار هي قوى 17 أيار. لكنّها في الواقع لا تترك لـ 14 آذار حرّية إبداء الرأي في هذا المجال، حرّية تعريف الذات وتحديد البرنامج. بالنسبة إلى 8 آذار فإن قوى 14 آذار هي قوى 17 أيار شاءت أو أبت، ولكن المطلوب من 14 آذار أن تظلّ تنفي ذلك لتظلّ تخوّن أكثر فأكثر، ليلاً ونهاراً. فماذا يجري إذا ما أيقنت قوى 14 آذار البعد الأخلاقيّ لهذا الصراع وقرّرت أن تفك السحر، وتمنح لنفسها الحرّية في تعريف نفسها وتحديد برنامجها؟!
قوى 8 آذار تخوض الإنتخابات ضد "قوى 17 أيار" غير الموجودة. قوى 8 آذار تنكر في الوقت نفسه أن تكون ثمة "قوى 17 أيار" موجودة بالفعل ويسمح لها أن تخوض الإنتخابات. من هنا، ثمّة بعد أخلاقيّ في الصراع: إن قالت 14 آذار بأنها ليست 17 أيّار تخوّن أكثر فأكثر لكن تخاض ضدّها المعركة بمزيج من الوسائل "السلمية" وغير "السلمية". فماذا الذي يراد لقوى 14 آذار أن تقوله حتى يستريحوا؟
