جنرال النسيان
ماذا فعل ميشال عون ليستحق كل هذه الإنتقادات على زيارته إلى سوريا؟ ذهب الرجل ليسوّي العلاقات بين البلدين الشقيقين. نسي الماضي، ويتطلع إلى مستقبل واعد. نسي ثلاثين عاماً من الظلم والإستبداد والإحتلال، لأنه رجل عمليّ، يعرف كيف يستطلع المصالح اللبنانية العليا. وهذه المصالح تكمن في عدم العداء لسوريا، بل أكثر، في الإلتحاق بالركب السوري حتى العظم، والذهاب إلى فم الأسد، ليقدّم نفسه فريسة سهلة الهضم.
عون لم يخطئ، ولا يخطئ. هو يعرف تماماً ماذا يفعل. هذا ما يقوله. الجميع تبدّلوا وهو بقي ثابتاً على مواقفه. الجميع نقلوا البندقية من كتف إلى أخرى، وهو حمامة سلام لم يحمل يوماً إلا بندقية الشرعية، ولا يريد غيرها على الأراضي اللبنانية: فقط سلاح "حزب الله" و"أمل" و"القومي" و"المردة"، وهذه كلها أحزاب وطنية لا تبتغي الربح، كما نقول في الشركات والمؤسسات الخيرية. هذه الأحزاب لا تريد إلا مصلحة البلاد، لهذا تقوم بغزوات تطهير في الداخل، وتتحالف مع الشياطين من أجل حماية الحق الذي لا يعلو عليه شيء. وهذه الأحزاب حرّة إلى درجة أن كل شيء مباح بالنسبة إليها، حتى انتهاك حريات الآخرين واستتباع البلاد والعباد، وهذه الأحزاب وطنية إلى درجة أنها تضرب الوطن بعرض الحائط، وهذه الأحزاب قومية حدّ إلغاء كل تمايز محتمل.
ميشال عون يعرف ذلك. يعرف أنه في المكان الصحّ، في قلب العروبة النابض، وفي ركب الممانعين الاشاوس الذين يبقون كل الجبهات مفتوحة، ما عدا جبهتهم، والذين يحاضرون في الوطنية لكنهم من تحت الطاولة يصافحون العدو ويتفاوضون معه. يعرف أن تفاهمه مع "حزب الله" عين الصواب، وأن هذا التفاهم منع عن البلد حرباً أهلية أكيدة، وكأن ما حدث في السابع من أيار ليس اقتتالاً أهلياً ذهب ضحيته أخوة في الوطن الواحد. عون لا يخطئ. هو الجنرال الذي يقبض على التاريخ في يده، ويطوّعه كيفما يريد. يتحول من عميل إلى وطني، من متأمرك إلى عروبي، من عدوّ لسوريا إلى أعزّ صديق وحليف.
لا تنتقدوه. لم يفعل إلا قناعاته واقتناعاته. حظه سيئ. دائماً يقول عكس ما يفعل. دائماً يعاكسه القدر، فيسبح في عكس تياره الإصلاحيّ. نسي الجنرال أن سوريا الأسد أيضاً تحتاج إلى اصلاح. نسي أن المسيحيين هناك لا يستطيعون إلا أن يحتفلوا بالذبيحة الإلهية ويمارسوا طقوسهم الدينية فقط، لكنْ ممنوع عليهم التفكير في السلطة. هي مشكلة ذاكرة. الجنرال ينسى ليس إلا. مشكلته في النسيان. للعمر حقّه على البشر. لكن لماذا يصيب النسيان جماعات بأمها وأبيها؟ لماذا ينسى شباب "التيار الوطني الحرّ" ما كانوا عليه ولا يتنبّهون إلى ما سوف يكونون عليه في المستقبل. لماذا هذا الفقدان المفاجئ للذاكرة؟
استقبلوه هناك استقبال الزعماء والرؤساء والقديسين. طافوا به في كل زاوية من زوايا الشام، وهتف له الشعب السوري كما يهتف "للسيد الرئيس". اختبر الجنرال شعور الديكتاتور حين يمشي بين الجماهير الملزمة أن تطلق له الهتاف، وسمع الكثير من الخطب المكتوبة والمحضّرة مسبقاً، والتي تتباهى بحضرته ومجده وسلطانه. لم يسأل نفسه لماذا هو ليس محبوباً إلى هذه الدرجة في وطنه؟ لماذا لا يهتف الناس كلهم على اختلاف انتماءاتهم ومواقفهم له؟ ألأن سوريا ديموقراطية ولبنان ديكتاتوري؟ لم يسأل الجنرال نفسه اسئلة كثيرة ضرورية حتى ينتبه إلى الخطأ الذي ارتكبه، حينما قبل أن يطوّب في "سوريا الأسد" جنرالاً لإنطاكيا وسائر المشرق، وهو الجنرال العلماني الذي بدأ مسيرته في مؤسسة عسكرية لا تؤمن بالطوائف والأديان. عرفنا الآن لماذا كان يشن الحملات على بكركي وبطريركها. إنها الغيرة. يريد الجنرال أن يكون بطريركاً لموارنة لبنان، ليهتف له جمهوره: "انت البطرك يا جنرال". لكن المسيحية قائمة على الإعتراف، والجنرال لم يعترف بذنوبه ليتخلص منها، بل تجاوز كل الذنوب ليرتكب ما هو أشدّ منها مضاضة.
في سوريا جال الجنرال على المسيحيين. طوّبوه واطمأن إلى شؤونهم وأوضاعهم. عددهم كبير وهم بخير. يأكلون ويشربون ويحتفلون بالقدّاس ويستمعون إلى العظات. لكن الجنرال نسي أن يسأل عن شخص من رعيته المسيحية، عن شخص مسجون منذ سنوات في أقبية البعث المظلمة. نسي الجنرال أن يسأل "نظيره" بشار الأسد عن مناضل مسيحي كبير اسمه ميشال كيلو!
رامي الأمين