#dfp #adsense

المسيحيون بين عون وشيحا

حجم الخط

المسيحيون بين عون وشيحا

لم يسبق للبنان ان احتاج الى مسيحييه كما هو الآن. الباعث على هذه الحاجة يكمن في المفترق الخطر الذي وُضع لبنان عنده. ذلك ان الخيارات المطروحة على المسيحيين صارت بين ميشال شيحا وميشال عون، بعدما اختار الاخير ارتداء العباءة الشامية، وحسم في نوازعه السياسية.

لا يمكن في أي حال من الاحوال تحميل المسيحيين مسؤولية ما انتهت إليه حال البلد. فكما ان الطوائف الاخرى تصلبت في خياراتها السياسية وصدّرت من تشاء في مقاماتها السياسية، فإن للمسيحيين ان يختاروا ويسمّوا في ادارة شؤونهم الأهلية بإزاء الجماعات الاخرى.

إلا ان السجال وضرورة حثهم على البحث في الخيارات، يندرجان في سياق المدخل لجلاء عناصر الانقسام الداخلي حول موقع لبنان من مختلف القضايا المطروحة علينا، حيناً من ضمن اجندة محلية وأحياناً قسراً بطموحات تريد البلد "ساحة" خلفية لها ومسرحاً وسبيلاً لتحقيقها، وهو ما لم يرتضه المسيحيون يوماً، بل قدّموا انفسهم ذوداً عن لبنان الموحد المنسجم مع محيطه.

لا تخلو زيارة النائب ميشال عون لسوريا من أخطار، ليس أقلها انها تخدم فكرة خلق تناقض بين مسيحيي المشرق والبنية الاسلامية فيه. فطرح مقولة التصدي لمهمة حماية المسيحيين كأحد أبرز عناوين الزيارة، يعني ان المسيحية في الشرق في خطر، وهي اذا كانت كذلك، فإن النقيض منها لا يتم في السياق الذي حصل. المسار الذي وُضعت الزيارة على سكّته يشي بأن السنّة هم العدو، وبأن التصدي له يتم بتحالف شيعي – علوي – ماروني يحمي أقليات المشرق.

أكثر من ذلك، فقد أعطيت "مسيرة" القديس عون بعداً تاريخياً، وكأن سوريا هي الأهم تاريخياً للمسيحيين أكثر من فلسطين، وعلى قاعدة إنه إذا كانت الأخيرة مهد ولادة المسيح، فان الاولى (سوريا) هي الأرض التي انتشرت منها المسيحية.

الذين سعوا في مسالك هذا السياق، اغفلوا التساؤل عن المستفيد من وضع المسيحيين عموماً، والموارنة خصوصاً، في وجه الاسلام السني، وهم شركاؤه في تجربة الاستقلال عام 1943، حتى ليبدو الامر كأنه استعادة لخيارات سياسية في معاداة المنطقة وتوجهاتها السياسية. للمراقب ان يتبرع بالاجابة والمسارعة الى اتهام اسرائيل بوصفها الرابح الابرز عبر التبرؤ من إدانتها بتهمة تصفية الوجود المسيحي في الاراضي الفلسطينية، كما يحدث في بيت لحم وعكا.

يسع أياً كان التنبه الى ان في ذلك إبعاداً وإقصاءً لفكر ميشال شيحا الذي رأى في لبنان التعايش بين مسيحييه ومسلميه أهمّ "مقاومة" حضارية لفكرة بناء الدولة الصهيونية في فلسطين. وفي الامر أيضاً تهميش لكل ما قام به الوزير السابق ميشال اده لجهة إرساء وعي سياسي جمعي عن ان لبنان فكرة نقيضة لإسرائيل.

في كل الاحوال، يمكن فهم هذا الخطاب على انه ربح صافٍ للنظام السوري في سياق بحثه عن دور في مساومة دولية. فشعار "حماية مسيحيي المشرق" يُرفع لتغطية التلعثم الذي تقع تحت وطأته سوريا، منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ذلك ان النظام هناك يسعى الى تكريس شعار "حماية المسيحيين" كمقدمة لدور جديد في المنطقة.

يمكن المسيحيين ان يقفزوا فوق تاريخهم في قيادة مشروع التنوير العربي في القرن السابق، ويتجاوزوا الارهاصات الاولى التي شخّصت الخطر الاسرائيلي، لكن لا يمكنهم إغفال ان المسألة الآن تدور حول المسار الذي سيسلكه لبنان. بمعنى موقع البلد الفعلي ضمن مشهد يتركب حثيثاً في لحظة تقاطعات دولية عصية على الفهم والعقل.

الحال هذه، ينبغي إلقاء نظرة أهدأ، وتالياً أصوب، الى حدث تحرير لبنان من الهيمنة السورية، ليس من أجل استعادة السيرة لذاتها، بما سبقها وبما رافقها، انما من أجل الوصول الى جواب عن السؤال الأهم الذي يواجه اللبنانيين جميعاً: لماذا لم يفض الانسحاب السوري الى استقلال توحيدي.

اللبنانيون جميعاً يذكرون الكليشيهات التي أطلقت في اعقاب اغتيال الحريري. فمن جانب جماعة "شكراً سوريا"، انطلقت شعارات نزعت الى القول ان الاعتصامات والشارات لن تؤمّن السلم لنا. تالياً، يصبح مفهوماً لماذا نشهد عودة الى سجال ومناكفات تظهر اللبنانيين، وكأنهم عادوا الى سيرتهم الاولى عشايا انفجار الحرب الاهلية.

تشير الوقائع الى ان رؤية المسيحيين الى هذا الكيان كانت مختلفة الى حد التناقض الانفجاري في بعض الحقب مع تطلعات المسلمين. وهو تناقض جرّ عند محطات معينة الى اضطرابات تلتها كل مرة عودة الى تعايش ووئام، وإن من دون اتفاق على النظرة الى الوطن والدور. لكن التاريخ عينه ظل يدفع ابناء لبنان، بضغط متساوٍ على كل فئة منهم، وعلى مدى طويل من الزمن، وبعد مسيرة شاقة دامية سار بها كل فريق وكل حزب حتى التقوا في "ساحة 14 اذار".

لكن ما حصل بعد ذلك، كان يبعث على القلق. فقد خرج عن الاجماع الاهلي والشعبي فريق ادعى زعيمه انه يمثل غالبية لدى المسيحيين والتحق بجماعة "شكراً سوريا" ثم بالجمهورية الاسلامية في ايران ثم منها الى سوريا.

الحال هذه، فإن المسيحيين في حاجة الى تجدد سياسي يعيد البلد الى جادة الصواب السياسي. فعون لا يحب إلا التطرف، ولم يسبق له ان بحث عن تسوية يوم كان يزعم ادارة إعادة الدولة، فكانت "حرب الالغاء". كان الوجود السوري – وعن حق – احتلالاً، وتالياً كان لا بد من "حرب التحرير". عمل ليل نهار لاستخراج قانون "محاسبة سوريا"، وكان كل ما يمت الى هذه الدولة بصلة منكراً وباطلاً.

فهو يفاخر بما فعله ماضياً وحاضراً. كان يريد ان يكسر رأس حافظ الاسد، والآن يرى تغييراً في عهد وارثه ويريد ان يطوي صفحة الايام الخوالي مع النظام السوري.

ليس من غير دلالة ان يطلق عون في مداخلته العصماء في جامعة دمشق سهامه على اتفاق الطائف، اي ما استهدفه النظام السوري باغتياله رمز الطائف الاول الرئيس رينه معوض. في هذا المعنى فإن اللبنانيين سيواجهون شهوراً من الاستخدام السوري للجنرال الذي طلب منا الاعتذار. هو لم يفصح عما يريدنا ان نعتذر عنه: اغتيال رؤساء الجمهورية، الحكومة، النواب، ام المفتي، ودوس الطلاب في 7 آب، ام قتل جبران تويني وسمير قصير وجورج حاوي وبيار الجميل.

بين ميشال عون وميشال شيحا سيكون على المسيحيين الاختيار، وعلى المسلمين طمأنتهم لمساعدتهم.

أيمن جزيني

المصدر:
النهار

خبر عاجل